شعراء المهجر و دورهم في تطوير الشعر العربي

Algunos_miembros_de_Al-Rabita_al-Qalamiyya
Listen to this article

حين نفتح سجل الشعر العربي الحديث يتضح لنا من النظرة الأولى أن شعراء المهجر لعبوا دورا ‏أساسيا في النهضة الشعرية التي عرفها العالم العربي مطلع القرن العشرين، بل إنهم كانوا رموز ‏هذه النهضة وصانعيها وباعثيه، ومن دون أي ريب و تردد يمكن القول إنهم كانوا مجددين حقيقيين، ‏نفضوا عن اللغة العربية غبار الماضي، وأتاحوا للشعر العربي الإنفتاح على التجارب الأدبية ‏الريادية، خصوصا الغربية منها. وقد عاش هؤلاء تجارب مهمة على جميع المستويات أتاحت لهم ‏أن يلعبوا هذا الدور التجديدي، وأن يضعوا هذه النهضة الشعرية في عالم عربي كان لا يزال ‏يعيش التخلف والأمية والبؤس، بالإضافة إلى الاحتلال الأجنبي.

من هم المهجريون

المهجر هو من الهجرة أي النقل من مكان إلى مكان آخر، ويطلق مصطلح المهجر علی مجموعة من الأدب العربی الحديث الذی نشأ فی البلدان الأمريکية على يد عدد من الأدباء العرب معظمهم من اللبنانيين و السوريين الذين هاجروا إلی أمريكا ولا سيّما أمريكا الشّماليّة والجنوبيّة في أواخر القرن التّاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وبعد مهاجرتهم إليها والاستقرار فيها ترکوا آثاراً أدبيةً التي تتميز بوجهتين: 1-  تأثرهم من الأدب الأروبي والأمريکی. 2- إفتتاح باب جديد فی المجال العاطفی والتّصويري أمام أعين الأديب نتيجة الحياة فی بيئة جديد. أمّا اليوم قد أصبح يُطلق على هؤلاء الأدباء الّذين يسكنون في بلاد أجنبيّة منها: کندا، البرازيل، الأرجنتين، شيلی، سنسناتی والمکسيك وغيرها من البلاد الغربية.

أسباب الهجرة

هاجر الأدباء لأسباب عديدة التي ذكرت في كتب التاريخ من أهم الاسباب أن بلاد الشام كانت متورطة في فضية الفقر و الإملاق في القرن التاسع العشر و كان تحت حكم العثمانيين الذين ركزوا عناياتهم على الأتراك و أغمضوا عن حوائج العرب و ظلم عليهم الولاة الأتراك، لأن التعصب اللغوي لعب بينهم دورا بارزا و كانو ينازعون حول لغتهم الأم. و كان اللبنانيون و السوريون في مقدمة العرب الذين تمسكوا تمسكوا بلغتهم و بذلوا قصارى جهودهم للحفاظ عليها، و من جانب آخر كانت هناك نزاعات طائفية بين المسلمين و المسيحيين و هذه العوامل و الأسباب أجبرت أهل بلاد الشام على أن يعيروا المحيطات حتى وصلوا إلى أمريكا الشّماليّة والجنوبيّة. هم مارسوا في هذه البلاد الآعمال الأدبية و النقدية و أسسوا مدرستين أدبيتين: الرابطة القلمية و العصبة الأندلسية. يقول أنيس المقدسي مشيرا إلى أسباب الهجرة:” وكان الباعث على المهاجر اختلال الأحوال الاقتصادية في السلطنة العثمانية، بفساد الحكومة الاستبدادية حتى تضعضع الأمن وسادت الفوضى، ودرس العلم، وثقلت المعيشة”.

الرابطة القلمية

الرابطة القلمية هي مدرسة أدبية، و في ليلة العشرين من شهر أبريل عام 1920م ولدت فكرت الرابطة القلمية و بعد أسبوع تم تأسيسها برئاسة جبران خليل جبران وسكرتيره ميخائيل نعيمة  ومن أعضائها نسيب عريضة،وإيليا أبي ماضي، ورشيد أيوب، وندره حداد وغيرهم، وقد قامت هذه الرابطة القلمية بدور عظيم في نهضة الأدب العربي في المهجر الشمالي، وكان لا بد لهذه الرابطة من وسيلة لنشر إنتاج أعضائها، فكانت جريدة “السائح”التي كان يملكها عبد المسيح حداد، أحد أعضاء الرابطة، تلك الوسيلة التي حملت إلى العالم العربي نتاج قرائحهم وما جادت به أقلامهم، قبلها كانت مجلة “الفنون” ملك نسيب عريضة تقوم بذلك، ولكنها توقفت عن الصدور قبل نشوء الرابطة.لقد ظلت الرابطة القلمية تعمل بنشاط من سنة 1920 إلى سنة 1931 ، ثم انفرط عقدها حين أخذ الموت يختطف أعضاءها وهم في أوج عطائهم مبتدئا بعميدها جبران تلاه رشيد أيوب، فإلياس عطا الله، فنسيب عريضة، ثم ندرة حداد، فوديع باحوط، فإيليا أبو ماضي، ثم توفي عبد المسيح حداد سنة 1963 وكان قد باع حقوق جريدته “السائح” إلى راجي الظاهر صاحب جريدة البيان في أواخر سنة 1957 أما ميخائيل نعيمة، مستشار الرابطة، فقد قررالعودة إلي مسقط رأسه “بسكنتا” في لبنان بعد وفاة صديقه الحميم جبران حيث عاش في شبه عزلة صوفية حافلة بالإنتاج الأدبي الروحي الذي استلهمه من سحر لبنانوجماله.لقد كتب أدباء المهجر الشمالي في أكثر الفنون الأدبية شعرها ونثرها، وأبدعوا فيها وابتكروا، فقد كتبوا في مختلف نواحي الحياة والطبيعة والنفس البشرية، ونظموا الشعر وبرعوا فيه وفي انتقاء مواضيعه، وكتبوانثرا جميلا اجتماعيا وعاطفيا وتصويريا، كما أعطوا أجود الأدب العربي في فن القصة والرواية، وقد قامت “الرابطة القلمية” بدور عظيم في هذه النهضة، لا شك في أن الفضل في كل ما وصل إليه الأدب في المهجرالشمالي من سمو ورفعة، وما حققه من شهرة يعود لهذه الرابطة الجريئة.

العصبة الأندلسية

أنشئت “العصبة الأندلسية”  في غرة شهر يناير عام 1033م . و يرمز اسمها إلى الاعتزاز بتراث العرب الغالي في الأندلس، برئاسة ميشال المعلوف، وداود شكور نائبًا للرئيس، ونظير زيتون أمينًا للسر، ويوسف البقيني أمينًا للصندوق، وعضوية أدباء معروفين أمثال حبيب مسعود، ونصر سمعان، وحسني غراب وغيرهم، وما كاد يذيع صيتها حتى انضم إليها نخبة من أشهر الأدباء والشعراء وأقدرهم، ثم أصبح مقرها ندوة لهم وأصبحت مجلتها “العصبة” لسان حالهم ومسرحًا لأقلامهم، وقد ظلت هذه المجلة منارًا مضيئًا حتى سنة 1914 حيث توقفت عن الصدور بناء على أمر من رئيس جمهورية البرازيل الذي منع بموجبه إصدار أي كتاب أو صحيفة أو منشور في غير لغة البلاد الرسمية، ولكنها عادت إلى الصدور سنة 1914 بجهود شفيق المعلوف وعطائه السخي، وعاد حبيب مسعود إلى رئاسة تحريرها من جديد ولكنها عادت وتوقفت نهائيًا.

الفرق بين الرابطة الأدبية و العصبة الأندلسية

الفرق بينهــــا أن الرابطة القلمية أكثر تجديدا في الشكل و المضمون لتحرر البيئـــة حولهم ما دفعهم الى التأثــــر بهـــا. أمــــا العصبة الاندلسية فكانت أكثر محافظة على القديم من لفظ فصيح و وزن و قافية؛ لأن بيئة أمريكـــا الجنوبية أقل تحررا، و أهلهــــا من الإسبانيين الذين لهم جذور عربية، فهم أقرب الى المحافظة على القديـــم.

رابطة منيرفا

أسسها الشاعر المصري المهجري د. أحمد زكي أبو شادي عام 1948 في نيويورك، وكان رئيسها، وانتهت بوفاته، وليس لها أثر كبير في الشعر المهجري

الرابطة الأدبية

أنشئت في الأرجنتين عام 1949على يد الشاعر جورج صيدح، واختفت بعد عامين إثر عودة صيدح إلى الوطن

شاعرات المهجر

نظر الأدب المهجري الى المرأة على أنها عنصر روائي مهم وشعري لا يشق له غبار وقصصي أنحنت له الأقلام فهناك مجموعة من النساء اللواتي أسهمت لكن ليس بمستوى جبران ونعيمة والآخرين فمن أديبات المهجر اللواتي حظين بالشهرة عبر صحافة المهجر السيدة سلمى صائغ مؤلفة كتاب “ذكريات وصور” وأيضاً السيدة ماري عطا الله ومريانا دعبول فاخوري رئيسة تحرير مجلة ” المراحل” والتي تصور في مدينة سان باولو وأنجال عون شليطا الاديبة والفنانة التي كانت تحب النثر والكتابة وتسهم في الخدمة الاجتماعية أيضاً سلوى أطلس رئيسة تحرير مجلة “الكرامة” التي عاشت أكثر من ربع قرن حيث ولدت سلوى في حمص بسوريا وهاجرت الى البرازيل عام 1913م حيث توفيت هناك.

 خصائص أدب المهجر

ما يميز أدب المهجر عن باقي دواوين الأدب العربي الوفرة الكبيرة في العناصر القوية حيث كان الأدب العربي قبلها في عصر الانحطاط لا يزال يزحف كالسلحفاة ينوء بما يجرجره من ركام الألفاظ والأساليب القديمة البالية التي تكبله وتثقله فتعوق مسيرته وتقيد حركته. من هنا نستطيع القول إن ما تميزت به مدرسة المهجر الأدبية بنقاط كما يلي:

أ ـ من حيث المضمون:

النزعة الإنسانية

التأمل في الكون

الشعر القومي

النظرة السمحة إلي الدين

الحيرة و القلق

النزعة الروحية

الحنين إلى الوطن

الاتجاه إلى الطبيعة

التجديد في الموضوعات والأغراض الشعرية

ب ـ من حيث الشكل:

استخدام الألفاظ الموحية

الوحدة العضوية

استخدام الرمز

التحرر من قيود الوزن والقافية

الاهتمام بموسيقى اللفظ مما أدى إلى ظهور الشعر المنثور

روّاد الأدب المهجري بنزعتهم الروحية

شهدت بدايات القرن العشرين حركة أدبية بين المهاجرين الى أميركا الشمالية والجنوبية، كان من روّادها أمين الريحاني وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ونسيب عريضة. توسّل المهجريون الأدب للتعبير عن رفضهم للإقطاع، والتعصّب الديني، وعن تبرّمهم بأثقال الماضي التي تسيطر على أوجه الحياة في بلادهم. ودعوا الى فهم الأدب بأنه خلق وتجديد، وليس احتذاء وتقليداً. وبأنه إنتاج شخصي ينبع من نفس الأديب وليس موضوعاً يفرض عليه من الخارج.

وكان المهجريون سبّاقين في ميدان الشعر التأملي، شعر النظر في مشكلات الإنسان والمصير، والتأمّل في أسرار الطبيعة، والاندماج بها على طريقة الرومنطيقيين الذين رفعوا لواء الثورة على القيود القديمة، قيود اللغة والعروض وتقاليد البيان. وساروا على الطريق نفسه الذي سار عليه الرومنطقيون، فعبّروا عن خوالج نفوسهم. وقدّسوا الذات والعاطفة، الحب والألم، الحلم والخيال.

من يقرأ الأدب المهجري الذي يتكلّم الشاعر والناقد اللبناني ربيعة أبي فاضل عن أربعة من أعلامه هم أمين الريحاني، جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، نسيب عريضة، في كتابه الصادر حديثاً في بيروت بعنوان “النزعة الصوفية في الأدب المهجري” (لا ذكر لدار النشر) يدرك شدّة الشبه بين هذا الأدب، والأدب الرومنطيقي الذي انتشر في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، واستمر تأثيره في الحركات التي تلته والتي حملت، كما حمل هو لواء التحرّر والثورة والتجديد.

يعتبر روسو مرشد الحركة الرومنطيقية أنّ “الإنسان ولد صالحاً، لكن المدنيّة أفسدته، وولد حرّاً لكن المدنيّة أوثقت يديه ورجليه بالأغلال”. واعتماداً على هذه الرؤية، ثار الرومنطيقيون على المدنيّة الحديثة وشرائعها، وحاولوا تحطيم القيود التي فرضتها على أفراد المجتمع وأنظمته، على الحب والزواج، على اللغة والفن، على المرأة والأولاد، وسائر الطبقات المستضعفة. هاجموا إقطاعيّي الأرض والدين، وسواهم من حرّاس التقاليد، ودعوا الى حياة الفطرة البريئة بعيداً من تصنّع المدينة وزيفها. لذلك قدّسوا الطبيعة، والوحدة، والطفولة، والحب، والألم، والكآبة.

واطلع المهجريّون على حركات التصوّف العربية والفارسية والهندية، وقرأوا التيارات الروحانية الغربية، فاعتقدوا بالزهد، واعترفوا بحب الله، وقد خبروا فكرة المعرفة الإشراقية والفناء في العزة الإلهية، وركّزوا على الفضائل الصوفية الإسلامية، وفي أساسها التطهّر الروحي، وما ينبثق عنه من شوق وحنين الى القريب والبعيد، وإلى الله. ولكنّهم لم يكونوا كالمتصوّفة العرب بكل ما للكلمة من معنى، ولم يستلهموا تصوّفهم من الموروث الديني الإسلامي الذي يتخذ من الزهد والورع أسلوباً في الحياة، وديدناً للوصول الى البارئ، كما لم يستمدّوا تصوّفهم من تيار التصوّف الإسلامي الفلسفي الذي تمتزج فيه القضايا العقلية والمحاجاجات المنطقية والبرهانية، ويكون العقل فيه حاضراً وأساسياً ومهماً في الوصول الى البارئ، كما قال ابن عربي والسهروردي، ولعلهم لم يتفاعلوا مع صوفيّة الغزالي الذي ركّز على سمة التحوّل القاضية بنقل الإنسان من حالته الأدنى الى الأعلى عن طريق التصوّف، بمعنى نقله من حالته الأرضية المليئة بالمعاصي والبعد عن الخالق، الى التقرب من الخالق وكسب رضوانه عبر الفناء والبقاء، والحضور والغياب. كان للمهجريين في كلام آخر، صوفيّتهم المميّزة والخاصة بهم، صوفيّة ليست بعيدة عن مصادر التصوّف العربي، ولكنها مغمسة بروحانية مسيحية تستظل روحانية القديسين والنساك، وتلبس وشاح “الجمالي الأدبي”. يكتب ربيعة أبي فاضل في هذا السياق: “هناك ثلاثة أنماط من التصوّف: الأول معطى إلهي تنميّه روح الله في الإنسان، والثاني طقوسي تصنعه تأمّلات الإنسان وجهوده، ووقفاته، ومقاماته، والثالث التصوّف الجمالي الأدبي وهو لا يخلو من حبّ السكينة، وحبّ الله، وعشق الكلمة، والترحّل عبر التخيّل، والتوق الى عيش الإنسان الكامل”.

إن التصوّف الجمالي الأدبي هو السمة الغالبة عند المهجرييّن الأربعة كما يبيّن أبو فاضل، وهو تصوّف بدأه أمين الريحاني وهو أوّل المهاجرين، في كتاباته بالدعوة الى التعلّق بالحب الصوفي وعشق الطبيعة، والتشوّق والاحتراق، وعدم التمييز بين الأديان معتبراً إياها طريقاً واحداً الى الله الواحد الأحد. وكان الريحاني يبرز تجربة العقل ودوره، من دون أن يتخلّى عن القلب، وكان يترك المدينة وضجيجها منعزلاً في الفريكة، قريته الهادئة. يعترف صاحب “الريحانيات” بأنه طفل في العالم الروحي وهو سائح أمامه ساحة طويلة يجب أن يجتازها، وفوقه فضاء غير متناه يجب أن يتمتّع بجماله، وكلما ارتقى درجة في سلّم الحياة سمع أصواتاً بعيدة تدعوه الى أعلى. وهذه ميزة كما يقول الريحاني: “سامية إلهية في الإنسان تشعره بالخشوع والتهيّب لما يشاهد في نظام الكون… ولا فرق في هذا المقام بين ناسك في الهند وآخر في جبل آتوس”. على أن النسك الذي استهوى الريحاني ليس هو السكون وتعطيل الحواس والكفر بالذات وقتل الإرادة على الطريقة البوذية، وإنما نسك العقل الذي يمارسه الفلاسفة المتفردّون الذين يعيشون في حقولهم بعيدين من ضجيج المدن والناس، على الفطرة الأولى من الوجهة الجسدية وعلى أرفع العلوم والحكمة من الوجهة العقلية الروحية.

تظهر نزعة جبران الصوفية أوّل ما تظهر باستشهاده بالمتصوّفة العرب كابن سينا والغزالي وابن الفارض، وبالإشارة الى زهّاد الشرق وحكمائه. إلّا أن تصوّفه مختلف عن تصوّف هؤلاء. فلا استسلام عنده ولا جمود، لا فناء ولا عدميّة، لا جذبة أو انخطاف. لا يدعو الى الزهد والتقشّف، ولا يقضي على الأهواء، بل يريد المؤالفة بينها وبين العقل. فهو يرى في الشرّ عطشاً الى الخير، وفي الألم سبيلاً الى المعرفة. لا ينكر المادّة بل يبصر من خلالها سلّماً الى الروح، لا يحتقر المدنيّة وإنما يعتبرها مرحلة تقود الى أفضل منها. وهكذا فإن جبران من السابق المستوحد، الى المصطفى، الى يسوع ابن الإنسان، يشدّد على أمرين: المصالحة مع الحياة والناس والكون، عيش السلام الداخلي، إبطال العودة الى الجسد، التناغم مع النظام الكوني، والسكن المطمئن في أحضان الأم الكونية – الروح الشاملة الواحدة.

ولا يبتعد ميخائيل نعيمة كثيراً عن جبران في نزعته الصوفيّة، فهو يعتبر أن كلّ الدروب تؤدّي الى البارئ عند من قلبه يفتّش عن البارئ. لذلك يرسم نعيمة في كتابه “مرداد” الطريق التي تقود الإنسان الى البارئ، انطلاقاً من السفح الى أعلى قمّة. في السفح ذات الإنسان الصغرى، وفي القمة ذاته الكبرى، ولا بدّ أن يتوحّد بوحدة الحياة الكلية، ويخلد بخلودها. يكتب نعيمة: “وليس للذات الصغرى في الإنسان من معبر الى الذات الكبرى سوى منحدر الصوّان، سوى طريق التعرّي الذي هو نكران الذات، وتحمّل العطش والجوع والتشرّد والآلام. وطريق الإنسان الى وعي ذاته الكبرى ووحدته مع البارئ، ليست الحواس، وليس العقل، وإنما الرؤيا، وجمرة الإيمان والمحبّة”.

أما نزعة التصوّف عند نسيب عريضة فتتبدى في حالات الوجد والعشق والاحتراق، وفي خروجه من مطهر الحياة ليكشف آفاقاً أجمل وأبعد. لذلك مال ببصره عن ثانويّات الحياة الى أوّليّاتها، ومال ببصره عن مرئيّاتها الى ما ورائيّاتها. وفي كلام آخر يعتبر نسيب عريضة أنّه في رحلة البحث عن اليقين، يعجز العقل والقلب عن الوصول، ويبدو الانكشاف الصوفي هو المجال الأوحد للمعرفة، لأنه وحده يمكن أن يحقّق شغف الروح للاتصال بالبارئ والفناء فيه.

تتميّز جهود الشاعر والكاتب ربيعة أبي فاضل في هذا الكتاب بالإحاطة بأربعة أدباء كبار كانوا وما زالوا علامات فارقة في تحديث الأدب العربي وتطويره شكلاً ومضموناً. وتتميّز جهوده أيضاً بالكشف عن جوانب روحانية عند هؤلاء، مثيرة للاهتمام وفي حاجة الى مزيد من التعمّق. وفي محصّلة الكلام كتاب ربيعة أبي فاضل يقرأ، لما يحوي من مقاربات نقدية منهجية وعميقة، علاوة على لغته السلسة التي يتميز بها الشعراء عادة.

تأثير الأدب المهجري في الأدب العربي

ظهر تأثير المهجريّين في الأدب العربي في قوالبه و أغراضه و أشكاله: ففي مجال الشّعر لم يقتصروا على الشّعر الغنائي، بل حاول بعضهم كتابة شعر ملحميّ، كما فعل فوزي معلوففي ملحمته ” بساط الرّيح” و من حيث الشّكل جددوا في الأوزان و القوافي و تحرّروا من قيودها .و في مجال النّثر سبقوا غيرهم إلى كتابة الأشكال الفنّية الحديثة كالمقال و القصّة و المسرحيّة و اهتموا بالمعاني و أدخلوا إلى الأدب العربي المذاهب الأدبية الحديثة.

تراجم أدباء المهجر

يطلق اسم أدباء وشعراء المهجر عادة على نخبة من أهل الشام المثقفين الذين هاجروا إلى الأمريكيتين ما بين أواخر الثمانينات من 1800 وحتى أواسط 1900 وهم ينقسمون إلى قسمين:

1- أدباء المهجر الشمالي وهم الأدباء العرب الذين هاجروا إلى الولايات الأمريكية المتحدة والى مناطق أخرى من أمريكا الشمالية. وهم مجموعة الرابطة القلمية التي تأسست عام 1920 على يد جبران خليل جبران ورفقائه.

2- أدباء المهجر الجنوبي وهم من هاجر إلى مناطق أمريكا الجنوبية كالبرازيل والأرجنتين والمكسيك وفنزويلا. وأسسوا هناك ما سمي بالعصبة الأندلسية.

أعلام الرابطة القلمية:

جبران خليل جبران

جبران خليل جبران ولد في 6 يناير 1883 في بلدة بشراي شمال لبنان وتوفي في نيويورك 10 ابريل 1931 بداء السل ، سافر مع امه واخوته الى امريكا عام 1895 ، فدرس فن التصوير وعاد الى لبنان ، وبعد اربع سنوات قصد باريس حيث تعمق في فن التصوير ، عاد الى الولايات الامريكية المتحدة ، واسس مع رفاقه “الرابطة القلمية” وكان رئيسها.

أدبه:

كان في كتاباته إتجاهين ، أحدهما يأخذ بالقوة ويثور على العقائد والدين ، والآخر يتتبع الميول ويحب الاستمتاع بالحياة.

مؤلفاته:

1- ألّف باللفة العربية.

2- دمعة وابتسامة.

3- الاروح المتمردة.

4- الاجنحة المتكسرة.

5- العواصف.

ألّف باللغة الانجليزية

النبي بالانجليزية (The Prophet ) مكون من 26 قصيدة شعرية وترجم الى ما يزيد على 20 لغة.

ميخائيل نعيمة

شاعر من لبنان ولد1889 في ” بسكنا” عام وتوفي عام 1988 م تخرج في دار المعلمين الروسية في الناصر ثم تابع تعليمه في روسيا وفي جامعة واشنطن من مؤسي الرابطة القلمية و هاجر الى الولايات المتحدة ثم عاد الى لبنان له مؤلفات قصصية ونقدية ومسرحية كثير.

أعماله الأدبية:

1-همس الجفون 1945

2-  نجة الغروب

 3- وصدرت له المجموعة الكاملة

إليا أبو ماضي

ولد إليا أبو ماضي في قرية “المحيدثة” من قرى لبنان سنة 1891
وفي احدى مدارسها الصغيرة درس ثم غادرها في سنّ الحادية عشرة إلى الاسكندرية ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث كان أحد أعضاء الرابطة القلمية البارزين.

دواوينه:

1- تذكار الماضي.

2- الجداول.

3- الخمائل.

نسيب عريضة

1887 – 1946 م

نسيب بن أسعد عريضة، هوشاعر و أديب، من مؤسسي ” الرابطة القلمية” في المهجر الأميركي.ولد في حمص، وتعلم بها، ثم بالمدرسة الروسية بالناصرة، وهاجر إلى نيويورك سنة 1905فأنشأ مجلة “الفنون” سنة 1913 وأغلقها ثم أعادها، وأضاع في سبيلها ما يملك. وعمل في التجارة، ثم تولى تحرير “مرآة الغرب” الجريدة اليومية، فجريدة “الهدى” وتوفي في مدينة بروكلن.

من أعماله الأدبية:

“الأرواح الحائرة” ديوان شعره، و “أسرار البلاط الروسي “قصة مترجمة، و “ديك الجن الحمصي ” قصة نشرها في مجموعة الرابطة القلمية.

رشيد أيوب

1871 – 1941 م

هو شاعر لبناني، إشتهر في “المهجر” الأميركي، ولد في سبكتنا “من قرى لبنان” ورحل سنة 1889 م إلى باريس، فأقام ثلاث سنوات، وانتقل إلى مانشستر فأقام نحو ذلك،وهو يتعاطى تصدير البضائع، وعاد إلى قريته، فمكث أشهراً وهاجر إلى نيويورك، فكان من شعراء المهجر المجلين، واستمر إلى أن توفي، ودفن في بروكلن. كان ينعت بالشاعر الشاكي، لكثرة ما نظمه من شكوى عنت الدهر.

من أعماله الأدبية

 ” الأيوبيات ” من نظمه، نشره سنة 1916 ، و “أغاني الدرويش ” نشره سنة 1928 ، و “هي الدنيا ” سنة 1939 .

أعلام العصبة الأندلسية

فوزي المعلوف

ولد فوزي المعلوف في زحلة في 21/5/1899. و كان ينتمى إلى أسرة عريقة في القدم، أنجبت الشعراء والمؤرخين والكتبة والده عيسى اسكندر المعلوف هو العالم المؤرخ والعضو في ثلاثة مجامع علمية، منها المجتمع العلمي العربي بدمشق. ووالدته عفيفة كريمة إبراهيم باشا المعلوف. وأخواه شفيق صاحب “ملحمة عبقر” ورياض، وهما شاعران. كان قيصر المعلوف المولود عام 1874 رائد الصحافة العربية في أميركا الجنوبية، حين أصدر في سان باولو عام 1898 جريدة عربية باسم “البرازيل”. وظهرت عليه علائم العبقرية في سنٍّ مبكرة، فقد بدأ القراءة في الثالثة، وأحسنها في الخامسة، وراسل أباه من زحلة إلى دمشق في الثامنة. درس في الكلية الشرقية بزحلة، ثم انتقل في الرابعة عشرة من عمره إلى بيروت ليتابع دراسته في مدرسة الفرير. واشتغل بالتجارة متنقلاً بين لبنان ودمشق. وفي الوقت نفسه كان يكتب في الصحف اللبنانية والسورية والمصرية.

من آثاره:

سقوط غرناطة شعلة العذاب أغاني الأندلس من قلب السماء على بساط الريح بين الطيور وأدركه الأجل في مدينة الريو دي جانيرو “عاصمة البرازيل”.
رشيد الخوري

ولد رشيد سليم الخوري في لبنان عام 1887م. وهاجر إلى البرازيل عام 1913 هرباً من الضيق المادي وعمل في ظروف صعبة حتى عاد بعد أن لملم قصائده وجراحاته إلى وطنه لبنان عام 1984.

و له ديوان مطبوع.

شفيق المعلوف

شفيق عيسى المعلوف (1905 – 1977) أحد أبرز شعراء المهجر. أحد مؤسسي العصبة الأندلسية بالبرازيل، وواحد من كبار شعراء العصر ومن أفضلهم، بل هو “صاحب الراية العليا” كما يقول فيه أمين نخلة. وهو النجل الثاني لشيخ أدباء العصر عيسى اسكندر المعلوف.ولد في زحلة عام 1905 ودرس في الكلية الشرقية فيها. وتولى، وهو فتى، رئاسة تحرير جريدة ألف باء في دمشق لمدة 3 سنوات (1923 – 1925). كما حرر زاوية “مباءة نحل” يوقعها تارة بإمضاء “زحلة” وطوراً بإمضاء “فتى غسان”. ولاحقاً استخدم “أندلسي” و”مـُتعب”. ثم نزح إلى البرازيل، ملتحقاً في مدينة ساو پاولو بأخيه فوزي المعلوف وبأخواله ميشال المعلوف وقيصر المعلوف وجورج المعلوف، وكلهم شعراء، وتعاطى فيها التجارة والأعمال

إلياس فرحات

إلياس فرحات 1976 – 1893 شاعر مهجري، ولد في قرية كفر شيما اللبنانية، وهي مسقط رأس اليازجي وآل شميل. وآل تقلا، أصحاب جريدة الاهرام. هاجر إلى البرازيل حاملا معه خصلة شعر من محبوبته، والتي اوحت إليه فيما بعد بقصيدة مشهورة، وتزوج من السيدة جوليا بشارة جبران، التي تمت بقرابة للأديب جبران خليل جبران، وأقام في بلدة بيلو هوريزونتِ البرازيلية ساهم في تأسيس العصبة الاندلسية في أميركا الجنوبية على منوال الرابطة القلمية في المهجر الشمالي، عرف شعره بنزعته الوطنية القومية.

مخلص القول

بعد خمسة قرون من الجمود الثقافي والأدبي الناجم عن الافتقار إلى الحرية التي هي أم الفكر، أمام ظاهرة فريدة من نوعها، سمحت لهؤلاء المبدعين الذين قمعت عبقريتهم في أوطانهم وبعد أن انتقلوا إلى الضفة الأخرى للأطلسي وتنفسوا برئة العالم الجديد بإطلاق العنان لأجنحة أحاسيسهم وأفكارهم وبالتحليق في فضاء الخيال والطمأنينة. ما كاد يمر زمن قصير حتى استطاعوا هؤلاء المغتربين أن يثبتوا وجودهم هناك ونمت ظاهرة فريدة في تاريخ الأدب العالمي أدب عربي ينمو ويزدهر بعيدا عن محيطه، وعن بيئته، ومع ذلك استطاع هذا الأدب أن يترك بصماته حتى على الأدب العربي في الوطن الأم. مع أن الأدب المهجري له مكانة مرموقة لدي الأوساط العلمية و الأدبية ، و هو يذكر بخصائصه الفنية و الأدبية إلى يوم القيامة.

المراجع

 الاتجاهات الأدبية في العالم العربي الحديث، أنيس المقدسي، بيروت 1952.

  أدب المهجر،عيسى الناعوري، دار المعارف بمصر 1967.

  الشعر العربي في المهجر، محمد عبد الغني حسن، دار مصر للطباعة، القاهرة 1958.

  ديوان فرحات، إلياس فرحات، سان باولو 1932.

الجامع في تاريخ الادب العربي الحديث ، حنا الفاخوري، دار الجيل بيروت 1986.

 ديوان القروي، رشيد سليم الخوري ، سان باولو 1952 .

 المواقع المختلفة من الإنترنيت

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll