عناصر الأدب وصلة النقد بالأدب

alnaqd-al-arabi
Listen to this article

الأدب هو فن من الفنون الجميلة، و له أهمية هامة لدي الأوساط العلمية و الأدبية، و هو يلعب دورا هاما في تثقيف المجتمع و بيان ما تجرى في المجتمع، لأنه مرآة المجتمع و هو يعكس جميع ما يدور في المجتمع من العادات، و التقاليد، و الأحوال الدينية، و السياسية، و الأقتصادية و هو يحتوى على جميع ما أثر عن شعرائها و كتابها من بدائع و القول و روائع البيان، و هو تعبير راق عن المشاعر، و الآراء، و الأفكار، و الخبرة الإنسانية، و هو يصور الأحداث بما فيها من أفراح، و أتراح، و آلام و آمال، و هو يصور ما في نفس الإنسان من فكرة و عاطفة أو حادثة هامة، ثم ينتقل ذلك إلى نفس القراء فيعينهم على فهم الحياة و يوقظ مشاعرهم السامية القوية و يوجه بذلك إلى الغايات الإنسانية النبيلة، هذا إلى أن الأدب هو وسيلة الاستمتاع بجمال الطبيعة و الحياة، إذ يجد فيه القارئ ما استتر و ما ظهر من جمالها مصورا و مفسرا و هو مسرة النفس و سلوي الحزين و الأديب يصور من خلالها ما يختلج في نفسه من أفكار بأسلوب ممتع و جذاب و بعبارات رشيقة و تعبيرات نادرة.

مفهوم الأدب

الأدب هو من أدب يأدب مأدبة بمعنى الدعوة إلى الطعام ثم سمى بالأدب توسعا بمعنى الدعوة إلى المحامد و المحاسن و التحلى بالأخلاق الفاضلة و النبيلة، أما إصطلاحا فقد سلك الأدباء و الكتاب و النقاد مسلكا عديدا في تحديد تعريفه الإصطلاحي فقال ابن خلدون في مقدمته تحديدا للأدب : ” الأدب هو حفظ أشعار العرب و أخبارها و الأخذ من كل فن بطرف ” و قال امرسن تحديدا للأدب : ” الأدب سجل لخير الأفكار ” و عرف الأستاذ ستبفوردبرك الأدب فقال : ” نريد بالأدب أفكار الأذكياء و مشاعرهم مكتوبة بأسلوب يلذ القاري ” و قال الأستاذ فيضان الفاروقي تعريفا للأدب : ” هو التعبير عن العاطفة بكلمات موحية جذابة ” فالأدب هو الكلام الجميل التي يعبر عن الحقائق الاجتماعية و العواطف الإنسانية.

عناصر الأدب

إن الأدب الفني يتكون من عناصر عديدة و هذه العناصر الأدبية هي التي تسبب وجود الأدب و النصوص الأدبية. و إذا فات أي عنصر من هذه العناصر الأربعة فلا تعد النصوص من النصوص الأدبية، و تعد هذه العناصر أساس النصوص الأدبية و تنتظم عناصر النص الأدبي في عملية منهجية خاصة تنظيماً جمالياً شديد الاتساق، وتصطبغ بصبغة فنية، بحيث تكوّن النص في شكله الجمالي ،وهذه العناصر هي كما يلي :

العاطفة : و هي الحالة الشعورية التي تندفع من النفس البشرية إثر انفعالها بحدث تراه أو تسمعه أو بمشهد يؤثر فيه، و هي تقابل العقل و لا توافقه في أغلب الأحيان، فما يراه العقل لا تهواه العاطفة، و هي مرتبطة بالشعور الإنساني و لا تنفصل عنه.و هي أهم العناصر و أقواها في طبع الأدب بطابعه الفني، و لكن لازم علينا أن نلاحظ أن الآثار الأدبية تتنوع و تختلف في درجة اشتمالها على العاطفة فمرة توجد العاطفة القوية و مرة العاطفة المتوسطة و الضعيفة، فقد تكون غاية الأدب كما قد تكون وسيلة لنشر الحقائق. و صدق العاطفة لازم في جمال الأدب، والصدق نوعان : الصدق الواقعيّ، وهو صدق تعبير المبدع عن تجربته التي لمسها في الواقع، والصدق الشعوري و هو الصدق الذي يفعم وجدان المبدع، والمهم أن ينأى عن الافتعال والكذب الشعوري.لذا لابد وأن يجتهد المبدع للوصول إلى المرحلة التي تتلون ألفاظه وعباراته وصوره بلون عاطفته وتتشكل بشكل دوافع نفسه التي أحسها وعبر عنها بصدق.

هذا إلى أن العاطفة جزء لا يتجزى من الأدب، و مع علم الأقدمين بها، فإن إسمها لم يستخدم في الأدب و النقد إلا حديثا و ذلك أن كلمة العاطفة لا توجد في طبقات الشعراء لإبن قتيبة بل توجد فيه قول الشعر للرغبة أو الرهبة، لأن العاطفة لم تخترع إلا في العصر الحديث و كذلك لا توجد هذه الكلمة في كتاب العمدة لإبن رشيق القيرواني و غيره من الكتب النقدية الأخرى، فهي عنصر هام و أساسي من عناصر الأدب كثر استخدامها في كتب الأدباء المحدثين. و هذه هي العاطفة التي تمنح الأدب صفة الخلود و إذا لا توجد العاطفة في النصوص و الكتب فتكون النصوص النصوص العلمية لا الأدبية. و الأدب تخلد بخلود العاطفة، لأن العاطفة لا تتغير إلا قليلا و إذا تغيرت تغيرت في أشكالها لا في أساسها، فلا تتغير عاطفة الحزن و الفرح بمرور الأزمان و الأماكن و الشعوب بل يكون الحزن و الفرح دائما الحزن و الفرح و بسبب عدم تغير العاطفة و خلودها يحب الناس قراءة النصوص الأدبية مرارا بدون الشعور بالملل و التعب و دائما يجد القارئ فيها اللذة و الجدة لارتباطه بالعاطفة لا بالعقل، فإثارة العواطف هي العنصر الرئيسي في الأدب.

الخيال :  و الخيال عنصر لازم من العناصر الأدبية، لأن الخيال يلعب دورا هاما و له دخل كبير في إثارة العواطف، مثلا إذا نقرأ خبرا عن الزلزال و تخريبها، فمجرد قراءتنا لهذا الخبر لا تثيرنا إلى حد كبير لو اقتصرنا على أن الزلزال دمرت ألف منزل و أماتت آلاف النفوس، و لكن قطعة من القصة أو الرواية الخيالية تهيجنا أكثر من قراءة هذا الخبر الحقيقي، فيهيجنا أن نرى منظرا أو تعرض علينا القصة و الذي يعين على هذا المنظر أو هذا العرض إنما هو قوة الخيال و هي قوة لا بد منها للأديب شاعرا كان أو كاتبا. يعد ملكة الخيال غامضة لا يمكن تعريفها الواضح و البسيط لاستعمالها في أنواع مختلفة من العمليات العقلية، و كما قال رسكين : ” إن ملكة الخيال غامضة لا يمكن تعريفها، إنما يمكن معرفتها بأثرها.”

و وصف الدكتور أحمد أمين في كتابه النقد الأدبي ملكة الخيال بآثارها المختلفة قائلا : ” إذا تصورت في ذهني صورة حيوان، رأسه رأس طائر و جسمه جسم كلب، فهذا يسمى خيالا، و إن كان ذلك خيالا بسيطا لأن رأس الطائر قد رأيته و كذلك جسم الكلب، و إنما الجمع بينهما هو عمل الخيال، و كذلك لو أن حفارا تصور شكلا يريد حفره في قطعة رخام فهذا خيال، و كذلك لو تصورت قطعة من الأرض فيها تلال حول واد يجرى فيه نهر على جانبيه مزارع ترعى فيه الإبل، و كنت لم تر هذا المنظر من قبل، و لم يكن مجرد استذكار لما رأيت فهذا خيال.” و يضيف الدكتور قائلا : ” ففي هذه الأمثلة عنصر الخيال ضعيف، إذ أساسه المدركات بالنظر، و لكن هناك أمثلة للخيال أقوى من هذه و أوسع مجالا، من ذلك ما يسمى بالخيال الخالق أو المبدع كالروائي يخلق خياله أشخاصا من رجال و نساء، و يمنح لكل شخصية خاصة معتمدا في ذلك على ما يناسب هذه الشخصيات التي لم تكن في الخارج و إنما خلقها الروائي خلقا، و ليس هذا من عمل العقل المفكر، بل من عمل الخيال. فالروائي يرى الرجل الذي يخلقه و يتحققه، و هو يتكون بطريقة غير إرادية إذ تأتى الصور على ذهن الروائي من كثرة تجاربه و مشاهداته لا عن تعمل و إرادة و كثرة تفكير.”

و إذا نحدد الخيال فيمكن لنا أن نقول أن الخيال هو موهبة نفسية و ملكة فنية تبتكر صورة أدبية تتأثر باحساس و حواس و عواطف و ذاكرة و إدراك و أحلام الأديب فهو قدرة العقل على اكتشاف الجديد بحيث يوازى أو ينطلق من الواقع و بدونه يكون من العسير إيقاظ العواطف في أغلب الأحيان إذ هو لغتها التصويرية.

الفكرة : و هي المضمون الذي يعبر به الأديب و يبسطه في أعماله الأدبية، و الفكرة التي تطرأ على ذهنه و كيفية اختيارها و ترتيبها و التعبيرعنها، و قد يكون الترتيب منطقيا أو مضطربا و كل ذلك ينعكس على النص و القارئ. و من الكاتب و الشاعر من يبتكر و يجدد في طرح الفكرة، و منهم من يختار منهج التقليد. و يختلف التعبير و الأسلوب باختلاف الرؤية و طريقة التفكير. و هي تعد أساسا في كل الفنون ما عدا الموسيقي الخالصة، و العنصر الرئيسي في الفنون الإقناعية و التعليمية كالمحاضرات و المقالات و التاريخ و الفلسفة و كتب النقد لأنها الغاية المطلوبة و المقصودة، و قد تسمى المعنى و الحقيقة.

ولابد أن تتسم الفكرة بالخصائص التالية

الطلاقة: و المقصود من الطلاقة هو كثرة الأفكار وتسلسها وتنوعها ما بين أفكار رئيسية، وأخرى فرعية. و الأصالة : وتعنى بها جدة الأفكار المطروحة، وطرافتها، وإيجاد علاقات جديدة تربط بينها. و الجمال: و المراد به الدقة في اختيار ألفاظ الفكرة، وصياغتها بأسلوب فني متقن جلي. و لا بد للفكرة أن تكون ذات قيمة و أن تكون الأفكار الجميلة تحمل في طياتها قيماً تعيش في أذهان، و خواطر، وقلوب القراء.

الصورة : و هي الطابع الخاص الذي يطبع به الكاتب في كتابته و الشاعر في شعره و القاص في قصته، فتعرف به شخصيته و يتميز باختياره المفردات لاداء أفكاره على أتم وجه. و هي طريقة الكاتب أو الشاعر الخاصة بانتقاء الألفاظ على الشكل الذي يرتضيه الذوق أو هي طريقة التعبير التي يسلكها الأديب لتصوير ما في نفسه. و الصورة تتفاوت و تختلف من أديب إلى آخر فهي إما سهلة واضحة غير مكلفة أو مزخرفة معقدة أو معتدلة. و هي إن لم تكن غاية و مقصودة في نفسها، لكنها و سيلة و أداة لأداء المعانى و التعبير عن الحقائق و المشاعر و العواطف فهي تحتل مكانة مرموقة في أعين الأدباء و الشعراء.ولابد أن يتسم الصورة الأدبية بثلاث سمات هي:

وضوح الصورة : ويقصد به حسن اختيار الكلمات والجمل والأفكار الواضحة المعبرة عن المعنى بلا تكلف ولا غموض و تعقيد، مع رعاية التلاؤم والتناسب في مطابقة الأسلوب لمستوى إدراك القارئ. و قوة الصورة : و المقصود بها فصاحة الكلمات، وجزالة التراكيب، وتماسك الجمل، وترابط العبارات ، وصحة القواعد النحوية والصرفية والبلاغية. و جمال الأسلوب : و يعنى به تآلف وانسجام كل عنصر من عناصر النص الأدبي في نسيج واحد متلاحم ومتماسك مع رقة الألفاظ، و تسلسل الأفكار، و عذوبة التصوير.

و يمكن لنا أن نفهم عناصر الأدب من مثال كى يوضح لنا عناصر الأدب و لا يبقى أي غموض، افترض حدثت حادثة على الشارع بان اصتدمت السيارات و مات بعض الناس و جرح الأخرون و رأى الأديب هذه الحادثة بنفسه فتأثر بهذه الحادثة و تتدفع الحالة الشعورية من نفس الأديب بعد انفعاله بهذه الحادثة فهذه هي الحالة الشعورية التي تسمى بالعاطفة، و بعد هذه الحالة الشعورية و الانفعال و تأثر الأديب بهذه الحادثة جعلت الأفكار و الخيالات تخطر ببال الأديب و تتردد في قلبه فتردد هذه الأفكار تسمى بالخيال، ثم استقرت فكرة في باله و جعل الأديب يفكر عن هذه الحادثة و هو جعل ينظر إلى الجوانب العديدة لهذه الحادثة فوصل إلى نتيجة و هي تسمى بالفكرة، ثم يكتب الأديب هذه الفكرة في أسلوب فنى رائع جذاب فهذه الكتابة و الأسلوب تدعى بالصورة.

صلة النقد بالأدب 

النقد عملية مهمة ولازمة في تطور كافة أنواع النصوص الأدبية، مع التطور الكبير الذي تشهده الأجناس الإبداعية من القصة، و الرواية، و المقالة، و الشعر، و المسرح، وغيرها من الفنون الأدبية الجميلة، و بذل الكتاب و الأدباء و النقاد الاهتمام الكبير بها على مستوى العالم العربي، لأن النصوص الأدبية والأعمال الإبداعية المبتكرة تجد قيمتها الحقيقية بعد النقد. إن النقد الأدبي فن طبيعي في حياة الإنسان متى أوتى حظا و لوكان هينا من قوتي الإدراك و الشعور، فذلك يمكنه من فهم الأدب و ذوقه ثم الحكم عليه. إن النقد نشأ مبكرا و عاصر الأدب منذ طفولته، و لعل أول ناقد وجد عقب أول شاعر سواء كان نقده سلبيا يقف عند تذوق الشعر فقط أم إيجابيا يتجاوز ذلك إلى الإفصاح عن هذا الإنفعال شارحا و معللا، و هكذا بدأ النقد و ساير الأدب في كل عصوره التاريخية. نحن نعلم جيدا أن من طبيعة الإنسان الخطأ، وتنبيهه للخطأ هو نصح له أو أمر له بالمعروف ونهي له عن المنكر، وهذا هو النقد، فيأخذ أهميته من أهميتهما.إن النقد البناء يقوم بتصحيح الأخطاء حيث إن غياب النقد يعني تراكم الأخطاء، فالخطأ الذي لا يصحح يستمر إلى الأزمان، و إذا يتراكم الخطأ مع الخطأ فيصعب الإصلاح حينئذ و يدل على أن النقد له أهمية كبرى في تقييم النصوص الأدبية.

مفهوم النقد : النقد هو من مادة ” نقد ” لها معان عديدة في القواميس العربية، منها : تمييز الدراهم و معرفة جيدها من رديئها و منها الاعطاء كما جاء في مختار الصحاح : نقده الدراهم، و نقد له الدراهم اعطاه إياها فانتقدها أي قبضها، و منها اختلاس النظر نحو الشئ كما يقال : نقد الرجل الشئ بنظره ينقده نقدا و نقد إليه بمعنى اختلس النظرة نحوه، و منها العيب كما جاء في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال : إن نقدت الناس نقدوك و إن تركتهم تركوك أى إن عبتهم عابوك و المعنى الأول هو الأقرب لمفهوم النقد، و هو التمييز بين الجيد و الردئ من الدراهم و معرفة ذائفها من صحيحها و يجرى النقد في النصوص الأدبية كما يجرى في الأمور الحسية.و أما مفهوم النقد اصطلاحا فهو تقدير النص الأدبي تقديرا صحيحا و بيان قيمته الأدبية، فالنقد الأدبي هو دراسة الأعمال الأدبية وتفسيرها و تعليلها وتحليلها وموازنتها بغيرها للحكم عليها لبيان قيمتها ودرجتها و جمالها الأدبية و الفنية.

مهمة الناقد

يحمل الشاعر الإنجليزي الشهير وليام وردزورث (1770-1850) على النقد الأدبي و يعده عبثا باطلا لا غناء فيه، لكن هذا الرائ ليس صحيا بأتم وجه و ذلك بأن توجد شرائط النقد في الناقد و يرعى الناقد أصول النقد فهذا يودي إلى معرفة الجمال الفنية في النصوص الأدبية، و إن لا توجد شرائط النقد في الناقد و هو لا يرعى قواعد و أصول النقد فهذا العمل يودى إلى الغواوية و الضلالة و عدم معرفة الجمال الكامنة في النصوص الأدبية، فعلى الناقد أن يرجع إلى ضميره و يسأل نفسه ما الفائدة المنتظرة من نقده آثار الآدبا، لذا على الناقد أن يكون مزينا بالصفات النقدية.

لا يمكن للنقد أن يكون نقدا موضوعيا و إلا يلاحظ الناقد عدة شروط عند النقد، و هي الذوق و الثقافة و تمرس الناقد بالنقد و خبرته و حنكته و ممارسته للنقد وضمير الناقد الأدبي، و المشاركة العاطفية. أما الذوق فهو يلعب دورا هاما في النقد الأدبي و هو الأساس في كل حكم، فالذوق هو العمدة في تقييم النصوص الأدبية و هو ملكة لا غنى عنها للناقد و هو يمكنه الناقد من التعرف على مواطن الجمال و القبح فيما يعرض له من النصوص الأدبية. و قيل إنه استعداد فطري و ايضا مكتسب بطريق الممارسة و التمرين. و الذوق على نوعان ذوق عام و ذوق خاص، فالذوق العام ما كان شائعا بين أبناء الجيل الواحد في البيئة الواحدة و في البلد الواحد حيث يتأثرون بظروف واحدة مشتركة. و الذوق الخاص هو ما كان مظهرا و مرآة صادقة لصاحبه و لا تعكس سواه فهو يتأثر بالشخصية الفردية و يتأثر بالذوق العام.

الثقافة هي من الشروط الهامة للناقد يقول الدكتور أحمد أمين ” من اللازم أن يكون لناقد الأدب كما لناقد الفن تثقيف خاص و نعني بالتثقيف تحصيل المعرفة و تهذيب العقل معا، فالناقد يحتاج إلى المعرفة لتعطيه سعة النظرة و لتكون أساسا صالحا لحكمه و هو يحتاج إلى تهذيب العقل ليجعل هذه المعرفة قابلة لأن ينتفع بها، و إن مقدار صلاحيته كمفسر و حاكم ليتناسب مع معرفته و تهذيبه، فاذا لم توجد المعرفة و التهذيب، فإن آراءه مهما تكن لذيذة و موحية فإنها تكون تافهة القيمة “.

و أما تمرس الناقد بالنقد و خبرته و ممارسته فهو من الشروط الهامة و هذه الخبرة و الدربة لا تأتى إلا بعد القراءة الكثيرة للنصوص الأدبية و الأجناس الأدبية المختلفة من الشعر، و المقالة، و الرواية، و القصة، و الخطبة، و المسرحية، و بها يميز الناقد بين أسلوب و أسلوب آخر و يوازن بين خيال و خيال و صورة و صورة، فخبرة الناقد و تجربته تودى إلى صحة الحكم على النصوص الأدبية و البيان بما فيها من القوة و الضعف و الحسن و القبح.

ضمير الناقد الأدبي و المراد به أن يتوخى الناقد في نقده وجه الحق و يتجه لما يرى أنه صواب و يتحرى العدل في أحكامه و يبتعد عن التأثر بالهوى و القضايا الذاتية و النزاعات الشخصية و يحاول قدر الاستطاعة أن يبرأ من الغرض فلا يجامل الأصدقاء و الأنصار و لا يخامل على الأعداء و الخصوم و عليه أن يقض بالعدل. ضمير الناقد و توخيه العدل و ابتعاده عن المؤثرات الشخصية من أهم أركان النقد و أهم شروط الناقد إذ بدونه لا تجدى المعرفة و لا تنفع الخبرة و لا يصح الحكم و لا يعتدل الميزان.

المشاركة العاطفية هي من أهم شروط الناقد، و المراد من المشاركة العاطفية هو اشتراك العاطفة بين الأديب و الناقد، و العاطفة تختلف من وقت لآخر و من شخص إلى شخص آخر فعلى الناقد أن ينزل نفسه في العاطفة التي كان الأديب فيها عند قرض الشعر أو كتابة نص من النصوص الأدبية الجميلة، و إذا لا توجد المشاركة العاطفية فلا يصح حكم الناقد على النصوص الأدبية و يخطئ الناقد في حكمه و لا يكون النقد نقدا موضوعيا و متوازنا و معتدلا.

قبل معرفة الصلة بين النقد و الأدب علينا أن نتيقن أن الأدب هو الأسبق من النقد و هذا من الحقائق الثابتة، لأننا إذا نطالع تاريخ الأدب العربي فنجد أن الأدب ظهر أولا ثم جاء النقد، أولا كان الشاعر يقرض الشعر ثم ينتقد عليه الشاعر العبقري و الناقد المجرب النابغة الذبياني في سوق عكاظ. نفهم من هذه الحقيقة أن وظيفة النقد تبدأ بعد الفراغ من ابداع و ابتكار الأدب. و بعد وجود الأدب يتقدم الناقد لفهمه و تفسيره و تعليله و تقدير مكانته من حيث الحسن و القبح و الجيد و الردئ.

إذا نبحث العلاقة و الصلة بين الأدب و النقد فنجد أن الأدب ظاهرة عاطفية و تعبير ما يختلج في قلب الأديب و ما يحدث معه من الوقائع و الأحداث فيظهر الأدب بسبب العاطفة و أما النقد فهو عملية منطقية، و هو لا يتعلق بالعاطفة بل يتعلق بالعقل. فوضح أن الأدب ذاتي من حيث أنه تعبير عما يحسه الأديب وعما يجيش في صدره من فكرة أو خاطرة أو عاطفة؛ أما النقد فذاتي موضوعي: فهو ذاتي من حيث تأثره بثقافة الناقد وذوقه ومزاجه ووجهة نظره؛ وهو موضوعي من جهة أنه مقيد بنظريات وأصول علمية و نقدية.

و من الممكن أن القول أن صلة الأدب بالنقد كصلة الذات بالعالم، فلا ريب أن النظر إلى الأدب ونصوصه يودى إلى حكم عام غير متأكد منه نظريا وميدانيا، فمن يبتكر الأدب لا يبتكر المعنى فحسب، بل ينتج أيضا شكلا خاصا، وينتج عمله في ضوء علاقته بنصوص سابقة عليه، وغايته أن يكون مختلفا ومجددا، والقراء المحبون للأدب لا يبحثون عن المعنى فحسب، بل عن جدة طريقة التعبير و الأسلوب الفريدة و المبتكرة، والنص الأدبي يحتاج إلى الناقد كي يذكر للناس أسرار هذه الجدة و قيمتها الأدبية و الفنية، لا المعنى فقط، لأن المعنى لا يستنفد، كما أن الناقد عليه أن يفكر في السبب الذي أعطيت بموجبه لهذا النص معاني محددة في عصر ما، ولم تعطى له معاني أخرى.

علاقة الحضر و البدو : توجد بين الأدب و النقد صلة الزمان و المكان حيث أن البداوة تنشئ الأدب و لكنها لا تنشىئ النقد، و بهذا لا نريد أن الحضارة لا تنشىئ الأدب تماما بل المراد أن الأدب يقوى في البدو و يضعف في الحضر، بينما يضعف النقد في البدو و يقوى في الحضر. و قد يقال : إن الثقافة العقلية تفسد البديهة الشعرية، لأنها تفتح أمام الذهن أكثر من سبيل، و تضع أمامه أكثر من احتمال، فيحار الشاعر بين التفكير و التعبير، أما البديهة فإنها تبرز ما يجيش في طبع المرء قبل أن تمسه حدة العقل.

علاقة توافق : عندما تتطابق المدرسة الفكرية بين الأدب و النقد فتوجد صلة التوافق بينهما وبقدر ما لهذه العلاقة من ايجابيات في اضاءة النص الادبي و تقييمه فإن لها من السلبيات بحيث تؤدي هذه الصلة أحياناً الى الجمود واحادية النظرة.

علاقة تضاد : عندما لا تتوافق المدرسة الفكرية بين الأدب و النقد فتوجد صلة التضاد و التباين بينهما. و هذه الصلة تودي إلى عدم العثور على الجوانب الإيجابية و السلبية في النص الادبي للمبدع لعدم العلاقة بين المدارس الفكرية.

يمكن أن نخلص القول قائلا أن صلة الأدب بالنقد صلة قوية، و توجد بينهما صلة التداخل والتكافؤ، والتأثير والتأثر، والاتصال والاستقلال. أي طبيعة النقد مختلفة عما للأدب وهي طبيعة تقتضى لغة خاصة ودورا تنويريا وثقافيا، لكن هذا الاختلاف في صالح مسيرة الأدب والثقافة لأنه يحقق التكامل والوحدة اللذين لا يمكن تحققهما في ظل انعدام هوية كل منهما وفقدان تميزهما. وعلى العموم يجب النظر إليهما أي الأدب والنقد، على أنهما صنوان متلازمان ونشاطان متكاملان لا غنى لأحدهما عن الآخر. و ذلك أن التعبير عن التجربة الشعورية عند الإنسان أسبق وجودا من تحليلها وتذوقها والحكم عليها وهو ما يدعم ماقلناه سابقا أن الأدب له الأسبقية على النقد في وجوده، وبالتالي نقول لولا وجود الأدب ما وجد النقد. كما أن اجتماع الممارسة الأدبية إلى جانب الممارسة النقدية ليس أمرا غريبا، بل إننا لو تأملنا الحدود بين الأدب والنقد لوجدناها ليست حدودا شائكة شاهقة، إذ ثمة جسور بينهما تجعل العلاقة بينهما علاقة وثيقة وجدلية في الوقت نفسه. و بسبب هذه العلاقة تتطور الفنون الجميلة و تحتل مكانة مرموقة لدي الأوساط العلمية و الأدبية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll