السرقات الأدبية

pexels-cottonbro-studio-6334416
Listen to this article

المقدمة

هناك كثير من الموضوعات الأدبية التي عني بها الأدباء والنقاد عناية بالغة، واهتموا بها اهتماما كبيرا، وعالجوها في النقد الأدبي قديمه وحديثه، أمثال قضية السرقات الأدبية، وقضية الصدق والكذب في الأدب، وقضية الانتحال  في الشعر العربي، وقضية اللفظ والمعنى، وما إلى تلك من الموضوعات. وهذه الموضوعات التي ذكرتها أنفا، من أهمها وأبرزها التي عولجت في النقد القديم والحديث. وفي هذه الرقعة القليلة الحجم، أريد أن أناقش القضيتين: السرقات الأدبية والصدق والكذب على الترتيب في الصفحات التالية

السرقات الأدبية

تعدّ السرقة الأدبية نوعاً من أنواع الجنايات، التي لا تقل أهمية عن سرقة الأموال، فالأول يسرق الأفكار والثاني يسرق الأرزاق. فنجد في المجتمعات الغربية أنّ السرقة الأدبية تعتبر سرقة ,سواء أكانت للفكرة أو للنص. وتعتبر جريمة يعاقب عليها القانون. وقد تتجاوز مشكلة السرقة الأدبية الناشر وحقوق المؤلف أيضاً، وحتى تصوير الكتب يعتبر في الدول المتحضرة سرقة. ويوجد نوع من السرقات الغريبة في عالمنا هذا حيث يعمد أصحاب المال والمناصب لدفع مبالغ مالية لبعض الطلاب الناشئين أو الكتّاب المجهولين لتأليف الكتب والأبحاث ونسبها لهم، وغالبا يكون صاحب المال غير عارف أو عالم بما يحوي بين دفتي الكتاب المدفوع الثمن

السرقات الشعرية باب كبير يزعم ابن رشيق ألا أحد يقدر أن يدعي السلامة منه، وهو مصيب إذا اعتبرنا أن كل تشابه سرقة، فمدار كلامنا حول أغراض الشعر لا نخرج عنها من وصف وهجاء ومديح ونسيب ورثاء واعتذار. والمعاني في هذه الأبواب متشابهه لا يكاد شاعر يأتي بمعنى جديد في ظننا، إلا وجدناه سُبق إليه سواء بلفظه أو أنه بدّل فيه ليضفي عليه خصوصية الأسلوب، هذا إلا فيما ندر، ولما كان ذلك كذلك فإنه ينبغي علينا أن ننظر في معنى السرقة ببعض من التفصيل والتصنيف، حتى نتبين السرقة الحقيقية والتشبه والاقتداء وتوارد الخواطر

وليس صحيحا أن السرقة كلها قبيحة لكن يقبح بعضها ويحسن البعض، إلا أن لفظة السرقة تقدح في الفعل وهذا شيء آخر يدفعنا إلى تصنيفها لتبيين الجيد من الرديء، ولعل أدنى هذه التصانيف قول بعضهم: من أخذ معنى بلفظه كما هو كان سارقا، فإن غير بعض لفظه كان سالخا، فإن غير بعض المعنى ليخفيه أو قلبه عن وجهه كان ذلك دليل حذقه

أنواع السرقات

الاصطراف: وهو أن يعجب الشاعر ببيت من الشعر فيصرفه إلى نفسه، وهو نوعان.الاجتلاب: وهو أن يجلب الشاعر بيتا من شعر غيره تمثلا به لا ادعاء تأليفه، كقول النابغة الذبياني

وَصَهباءُ لا تُخفي القَذى وَهوَ دُونَها     تُصَفِّقُ  في راووقِها حينَ  تقطب

تَمَزَّزتُها   والدّيكُ   يدعو   صباحهُ      إذا ما بَنو نَعشٍ   دَنَوا   فَتَصَوَّبوا

وَإِجانَةٍ   رَيّا   السُّرورِ   كَأَنَّها           إذا غُمَسَت فيها الزُّجاجَةُ كَوكَبُ

تَمَزَّزتُها  والدّيكُ  يدعو  صباحهُ         إذا ما  بَنو  نَعشٍ  دَنَوا  فَتَصَوَّبوا

وربما اجتلب الشاعر البيتين كما قال عمرو ذو الطوق

صَدَدْتِ الْكأسَ عَنّا  أمُّ  عَمْروٍ       وَكَانَ    الْكَأسُ   مَجْرَاهَا   الْيَمِينَا

و ما  شرُّ  الثلاثة   أمَّ   عمرو       بصاحبِك  ا لذي   لا  تَصْبَحِينا

فاستلحقهما عمرو بن كلثوم فهما في قصيدته

الانتحال: وهو شبيه الاجتلاب إلا أن الشاعر هنا يدعي نسبة البيت إلى نفسه. وأما إذا كان المدعي للشعر غير شاعر لايكون الادعاء انتحالاً، كقول جرير

إنَّ الذين  غدوا  بلبِّكَ  غادرُوا         وشلاً   بعينِكَ   لا يزالُ   معينَا

غيَّضنَ  من عبراتهِنَّ  وقلنَ  لي         ماذا  لقيتَ   منَ الهوى   ولقينَا

فإن الرواة مجمعون على أن البيتين للمعوط السعدي انتحلهما جرير، وانتحل أيضا قول طفيل الغنوي

ولما التقى الحَيّانِ أُلقيَت العصا        ومات   الهوى  لمّا أُصيبت  مَقاتلُهْ

وكذلك ما روي من أن عبد الله بن الزبير الشاعر، دخل على معاوية فأنشده

إِذَا أَنْتَ لَمْ تُنْصِفْ  أَخَاكَ  وَجَدْتَهُ     على طَرَفِ  الهِجْرَانِ  إنْ كانَ يَعْقِلُ

ويَرْكَبُ حَدَّ السَّيْفِ مِنْ أَنْ تَضِيمَهُ     إِذا لَمْ يَكُنْ عَنْ شَفْرَةِ السَّيْفِ مَزْمَلُ

فقال له معاوية: لَقَدْ شَعَرْتَ بَعْدِي يَا أبا بكر، ولم يفارق عبد الله بن الزبير الشاعر مجلس معاوية حتَّى دخَلَ مَعْنُ بن أوس المزني، فأنْشَدَهُ قصيدته التي يقول في مطلعها

لَعَمْرُكَ   مَا أَدْرِي   وإنِّي   لأَوْجَلُ     عَلَى    أيِّنَا    تَعْدو     المَنِيَّةُ    أَوَّلُ

حتى أتمّها، وفيها البيتان اللَّذان أنشدهما “عبد الله بن الزبير”. فأقبل معاوية على عبد الله وقال له: ألم تُخْبِرْني أنَّهُما لكَ؟! فقال عبد الله: المعنى لي، واللَّفْظُ له، وبَعْدُ فهو أخي من الرضاعة، وأنا أحقُّ بشِعْرِه

الإغارة : وتكون من القوي على الضعيف وهي أن يقول أحد الشعراء بيتا فيعجب من هو أقوى منه شعرا فيغير عليه وينسب إليه لذياع صيته عن صاحبه كما فعل الفرزدق بجميل وقد سمعه ينشد

تَرى الناسَ ما سِرْنا  يَسِيْرُوْنَ  خلفنا         و إنْ نحنُ  أوْبَأْنا  إلى الناس  وَقَّفُوا

فقال: متى كان الملك في بني عذرة؟ إنما هو في مضر وأنا شاعرها، فغلب الفرزدق على البيت، ولم يتركه جميل ولا أسقطه من شعره. وقد زعم بعض الرواة أنه قال له تجاف لي عنه، فتجافى جميل عنه، والأول أصح. فما يكون هكذا فهو إغارة. و يرى البعض أن الإغارة أخذ اللفظ والمعنى بأسرهما، والسرق أخذ بعض اللفظ أو بعض المعنى

الغصب: وهي أن يغصب الشاعرُ الشاعرَ بيته دون رضاه كما فعل الفرزدق بالشمردل اليربوعي، وقد أنشد في محفل

فَما بَينَ مَن لَم يُعطَ سَمعاً وطاعةً           وبَين   تَميمٍ   غَيرُ   حَزِّ  الحَلاقِمِ

فقال الفرزدق: والله لتدعنه أو لتدعن عرضك، فقال: خذه لا بارك الله لك فيه

وقال ذو الرمة بحضرته: لقد قلت أبياتاً، إن لها لعروضاً وإن لها لمراداً ومعنى بعيداً، قال: وما قلت؟ فقال: قلت

أحينَ أعاذت بي  تميمٌ  نساءهَا     وجُرّدت تجريدَ  اليَمانِي  من الغِمدِ

ومدت بضَبْعيَّ الرّبابُ ومالكٌ     وعمروٌ وشالت من ورائي بنو سعد

ومن  آل  يربوعٍ  زُهَاءٌ   كأنه     دُجَى  الليل  محمود  النِّكاية والوِرد

وكنّا   إذا  الجبّارُ  صَعَّرَ  خدَّه     ضربناه   فوق الأُنْثَيَيْن  على الكَرْد

فقال له الفرزدق: إياك وإياها لا تعودن إليها، وأنا أحق بها منك، قال: والله لا أعود فيها ولا أنشدها أبداً إلا لك. وواضح من هذا المثال أن الغصب كالإغارة، أي يأخذ الشاعر الشعر من شاعر آخر غلبة وغصباً. ولاندري ما هو دافع ابن رشيق إلى الفصل بينهما

المرادفة :وهي أن يهب الشاعر الشاعر أبياتا إعانة له. ومثاله ما قال جرير لذي الرمة: أنشدني ما قلت لهشام المرئي، فأنشده قصيدته

نَبَتْ  عيناكَ  عن طَللٍ  بحُزْوَى     عَفَتْه   الريحُ    وامْتُنِحَ   القِطارَ

فقال: ألا أعينك؟ قال: بلى بأبي وأمي، قال: قل له

يَعُدّ    الناسبون    إلى تَميم            بيوتَ     المجدِ    أربعةً    كِبارا

يَعُدُّون  الرِّباب  وآلَ  سَعْدٍ            وعَمْراً    ثم    حَنْظلةَ    الخِيارا

ويَهْلِكُ  بينها  المَرَئيُّ   لَغْواً           كما  ألغيتَ  في    الدِّية  الحُوَارا

فلقيه الفرزدق، فلما بلغ هذه قال: جيد، أعده، فأعاده، فقال: كلا والله، لقد علكهن من هو أشد لحيين منك، هذا شعر ابن المراغة

ويقول ابن رشيق: والشاعر يستوهب البيت والبيتين والثلاثة وأكثر من ذلك، إذا كانت شبيهة بطريقته، ولا يعد ذلك عيباً؛ لأنه يقدر على عمل مثلها، ولا يجوز ذلك إلا للحاذق المبرز. وهذه ملاحظة نقدية هامة تتعلق بأسلوب الشاعر أو طريقة أدائه الفني، وفيها يبدو ابن رشيق شديد الإلحاح على الشاعرية الفذة أو الحذق في الصنعة الشعرية والتمييز بين الشعراء. وكأنه يشير إلى أن هذا النوع من السرقات، وإن كان غصبا أو هبة يهبها الشاعر لآخر، يحتاج إلى أن يكون منسجماً مع الطبيعة الفنية للشاعر الذي توهب له الأبيات، أوترفد أو تترفد

الاهتدام: وهو أن يأخذ الشاعر عن الآخر بعض بيته فيجيء بالمعنى نفسه مع تغيير في اللفظ، وكأنه هدم بعض البيت كقول النجاشي

وكنْتُ كذِي رِجْلَيْنِ رِجْلٍ صَحيحةٍ       ورِجْلٍ   بها   رَيْبٌ   من الحَدَثان

فأخذ كثير القسم الأول واهتدم باقي البيت فجاء بالمعنى في غير اللفظ، فقال

وكنتُ كذي رجلينِ رجلٍ صحيحةٍ       ورجلٍ  رمى فيها  الزَّمانُ  فشلَّتِ

النظر والملاحظة: فهو التحقيق في البيت لاستخلاص معنى ونسجه في بيت آخر بأسلوب خاص كقول المهلل

أنْبَضُوا   مَعْجِسَ   القِسِيِّ  وأبْرَقْـ        ـنا  كما  تُوْعِدُ  الفُحولُ  الفُحولا

نظر إليه زهير بقوله

طْعُنُهُمْ  ما ارْتَمَوا  حتى  إذا اطَّعَنُوا      ضَاَرَب  حتى  إذا ما ضَارَبُوا  اعْتَنَقا

وأبو ذؤيب بقوله

ضَروبٌ   لِهاماتِ  الرِّجالِ  بِسَيفِهِ        إِذا   حَنَّ   نَبعٌ   بَينَهُم    وَشَريحُ

الإلمام: وهو أن يلم الشاعر بمعنى البيت فيضعه بعينه في بيت آخر من نسجه، وهو ضرب من النظر، كقول أبي شيص

أَجِدُ  المَلاَمَةَ    فِي هَوَاكَ   لَذِيدَةً      حُبّاً     لِذِكْرِكَ    فَليَلُمْنِي    اللُّوَّمُ

وقول المتنبي

أَأُحِبُّهُ     وأُحِبُّ  فِيهِ    مَلاَمَةً؟!       إِنَّ الْمَلاَمَةَ    فِيهِ     مِنْ   أَعْدَائِهِ

ويعد هذا مثالا على العكس وهو النوع العاشر

الاختلاس: وهو أن يختلس الشاعر عن الآخر فكرة ويستخدمها بمعناها في غرض آخر، كقول أبي نواس في مديح هارون الرشيد

مَلِكٌ   تَصَوَّرَ   في القُلوبِ   مِثالُهُ       فَكَأَنَّهُ   لَم يَخلُ      مِنهُ   مَكانُ

اختلسه من قول كثير

أُريدُ     لِأَنسى   ذِكرَها   فَكَأَنَّما        تَمَثَّلُ    لي   لَيلى     بِكُلِّ سَبيلِ

وقول عبد الله بن مصعب

كَأَنَّكَ  كُنتَ    مُحتَكماً عَلَيهم         تُخَيَّرُ      في  الأُبُوَّةِ      ما تَشاءُ

ويروى كأنك جئت محتكماً عليهم اختلسه من قول أبي نواس

خلّيتَ       والحسنَ    تأخذهُ          تنتقى        منه         وتنتخِبُ

الموازنة: وهي أن يقول الشاعر البيت يوازن بيت غيره إلا في المعنى فيعد سرقة في الأسلوب، أكثر منه في المعنى كقول كثير

تَقولُ     مَرضنا      فَماعُدتنا            وَكيفَ     يَعودُ   مريضٌ    مَريضا

وازن في القسم الآخر قول نابغة بني تغلب

بَخِلنا     لِبُخلِكِ    قَد تَعلَمينَ            وَكَيفَ    يَعيبُ    بخيلٌ      بخيلا

العكس: وهو أن يعكس الشاعر معنى بيت لغيره فيجعله في شعره، كقول ابن أبي قيس، ويروى لأبي حفص البصري

ذَهَبَ الزمانُ برهط حسّان الأولى       كانَتْ   مَناقبهم     حديثَ  الغابرِ

وبقيتُ في خَلْفٍ تحلُّ  ضيوفُهُمْ         فيهمْ     بمنزلهِ     اللئيم      الغادِرِ

سودُ ا لوُجوهِ   لَئيمةٌ   أحسابهمْ         فُطْسُ  الأُنوفِ    من الطرازِ الآخرِ

فوازن قول حسان بن ثابت وعكسه

بيض الوجوهِ   كريمةٌ   أحسابهم         شمُّ الأنوفِ    من  الطِراز  الأوَّلِ

وقول أبي نواس

قَالُوا عَشِقْتَ  صَغِيرَةً   فَأَجَبْتَهُمْ        أَشْهَى  المَطِيِّ   إِلَيَّ    مَا لَمْ يُرْكَبِ

كَمْ  بَيْنَ  حَبَّةِ  لُؤْلُؤٍ     مَثْقُوبَةٍ         لُبِسَتْ    وَحَبَّةِ  لُؤْلُؤٍ     لَمْ تُثْقَبِ

عكسه مسلم بن الوليد فقال

إِنَّ المَطِيَّةَ     لا يَلَذُّ    رُكُوبُهَا          حَتَّى   تُذَلَّلَ     بِالزِّمَامِ      وَتُرْكَبَا

وَالْحَبُّ    لَيْسَ   بِنَافِعٍ   أَرْبَابَهُ         حَتَّى يُفَصَّلَ     في النِّظَامِ   وَيُثْقَبَا

المواردة: وهي أن يقول الشاعران البيت الواحد لم يسمعه أحدهما من الآخر أو عنه سواء حتى وإن كان الاتفاق في بعض اللفظ وكل المعنى، كقول ابن الأعرابي

مُفِيدٌ   ومِتْلاَفٌ   إِذا مَا أتَيْتَهُ         تَهَلَّلَ     واهْتَزَّ      اهْتِزَازَ   المُهَنَّدِ

فقال ابن الأعرابي: الآن عَلِمْتُ أنّي شاعر، إذْ وافَقْتُهُ على قولِهِ ولم أسمعه إلاَّ السّاعة، أي: لم يَسْمَعْ قول الحطيئة إلاَّ في هذه الساعة

وكذا ادعى البعض أن من المواردة قول طرفة بن العبد

وَقُوفاً بِهَا    صَحْبِي   عَلَيَّ  مَطِيَّهُمْ       يَقُولُونَ:   لاَ تَهْلَكْ  أَسىً     وتَجَلَّدِ

توارد مع قول امريء القيس

وَقُوفاً بها  صَحْبِي   عَلَيَّ   مَطِيَّهُمْ        يَقُولُونَ:  لاَ تَهْلِكْ  أسىً    وتَجَمَّلِ

واستبعد ابن رشيق أن تكون هذه موارده وغلب أن يكون طرفة قد أخذه عن امريء القيس،لأن طرفة في زمان عمرو بن هند كان شابا حول العشرين، وكان امرءالقيس في زمان المنذر الأكبر كهلاً. وكان اسمه وشعره أشهر من الشمس. وسئل أبو عمرو بن العلاء: أرأيت الشاعرين يتفقان في المعنى  ويتواردان في اللفظ، لم يلق واحد منهما صاحبه، ولم يسمع شعره؟ فقال  تلم عقول رجال توافت على ألسنتها. ويمكن أن طرفة لم يسمع هذا الشعر قط. فيصح أن تكون مواردة

الالتقاط والتلفيق: وهو أن يلتقط الشاعر المعنى من أكثر من بيت لغيره فيجمعها في بيت كقول يزيد بن الطثرية

إذا ما  رآني  مقبلاً   غضَّ طرفه       كأنَّ   شعاعَ الشمسِ   دوني   مقابله

فأوله من قول جميل

إِذا ما     رَأَوني طالعاً   من ثَنيةٍ       يقولون:    مَن هذا؟      وقد عَرَفوني

ووسطه من قول جرير

فَغُضَّ  الطَّرفَ  إِنَّكَ   مِن نُمَيرٍ        فَلا كَعباً     بَلَغتَ         ولا كِلابا

وعجزه من قول عنترة الطائي

إِذا  أَبصَرتَني   أَعرضتَ     عَني        كَأَنَّ  الشَّمسَ    مِن حَولي   تَدورُ

كشف المعنى : وهو أن يأخذ الشاعر معنى من شعر غيره به بعض لبس أو صعوبة فهم فيبسطه ويكشفه، كقول امرئ القيس

نمشي  بأعراف  الجياد   أكفنا       إذا نحن  قمنا   عن شواء   مضهب

وقال عبدة بن الطبيب بعده

ثمة  قمنا  إلى  جُردٍ    مسومة       أعرافهن        لأيدينا        مناديل

فكشف المعنى وأبرزه

الاتباع : وهو أن يتبع الشاعر غيره في المعنى فيزيد أو يساوي أو ينقص في المعنى، فإذا تناول معنى فأجاده- بأن يختصره إن كان طويلاً، او يبسطه إن كان كزّا، او يبينه إن كان غامضاً، أو يختار له حسن الكلام إن كان سفسافا، أو رشيق الوزن، إن كان جافياً- فهو أولى به من مبتدعه، وكذلك إن قليه أو صرفه عن وجه إلى وجه آخر، فأما  إن ساوى المبتدع، فله فضيلة حسن الاقتداء لا غيرها. فإن قصّر كان دليلا على سوء طبعه وسسقوط همته وضعف قدرته. فمما أجاد المتبع على المبتدع، قول الشماخ مخاطباً

إذا    بلّغتِني     وحمّلتِ  رحلي        عرابة      فاشرقي      بدم الوتين

فقل أبو نواس

أقول      لناقتي   إذ     بلَّغَتني          لقد  أصبحت    مني     باليمين

فلم أجعلك    للغربان    نحلاً          ولا قلت    اشرقي     بدم  الوتين

فإن زاد فهذا فضل، كقول عنترة

وإذا صحوتُ فما أُقصّر عن ندىً      وكما علمت     شمائلي   وتكرّمي

أخذه من قول امريء القيس

وشمائلي    ما قد علمت،   وما       نبحت    كلابك   طارقاً    مثلي

غير أن بيت عنترة رزق اشتهارا لم يرزقه بيت امريء القيس، وهذا يكون لفضل جعله التابع في بيته كأن يوجز المفصل أو أن يبسط المعنى أو أن يتخير حسن اللفظ وسلاسته، وكذا قول أبي نواس رزق اشتهارا لم يرزقه بيت الشماخ

وإن تساوى المعنيان فله فضيلة حسن الاقتداء ويبقى الفضل لمبتدع المعنى، كقول امريء القيس

فلو أنها  نفسٌ   تموتُ     جَميعَةً        و لكنَّها   نَفْسٌ   تَساقَطُ  أنْفُسا

أخذه عبدة الطيب فقال

فَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكُه هُلْك وَاحِدٍ      ولِكَّنهُ      بُنيانُ   قَوْمٍ      تَهَدَّما

فلم يزد في المعنى شيء

فأما إن نقص المعنى فهذا سوء الاتباع، حيث يكون المعنى رديئا ويتبعه أحدهم في رداءته فلا يحسِّنه، كقول أبي تمام

باشرت     أسباب  الغنى بمدائح        ضربت    بأبواب الملوك    طبولا

فقال أبو الطيب

إذا كان  بعض الناس سيفاً لدولة       ففي  الناس   بوقات لها    وطبول

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll