القطّة الخفيّة

pexels-lucas-pezeta-5403252
Listen to this article

القصة اليابانية

القطّة الخفيّة ( 透明猫(とうめいねこ) )

اُنّو جوسو (海野(うんの) 十三(じゅうそう) )

 أبوحمزة 

الفصل الأول

الطريق إلى المنحدر

كان سيجي يسير على طول الطريق إلى المنحدر، وهو يعرف الطريق جيداً. وكانت هناك منازل مصفوفه على طول الجزء العلوي من المنحدر، وعدد قليل من القصور ذات الطراز الغربي مع السقوف الحمراء. وكان على الجانب الآخر من المسار شاطئ ينحدر إلى الأسفل، وعلى الجانب الآخر من الشاطئ سياج مصنوع من الألواح الخشبية المستخدمة في مسارات السكك الحديدية، وقد تم تعتيمها. وبعد السياج، كانت مسارات القطار تتنقل فيها المحركات البخارية ذهابًا وإيابًا. ويمرّ سيجي صعوداً وهبوطاً بهذا الطريق كل يوم. وفي كل يوم، يقوم بحمل عشاء والده الذي كان يعمل في شركة إذاعة. وهذا يعني أنه لا يمرّ بهذا الطريق إلا في الليل.

أخذ سيجي عشاء والده إلى مكتب الاستقبال الخلفي لمبنى الإذاعة. وأعطاه والده – الذي كان يعمل كحارس- قلم رصاص صغير كجائزة. ووضع سيجي القلم الرصاص في جيبه وشق طريقه إلى أسفل سفح المنحدر. وكان الظلام قد بدأ يمدّ رداءه على العالم. وكان الفصل فصل الربيع، وكان اليوم ملبداً بالغيوم المتراكمة الكثيفة جداً في الغرب. وسرعان ما أختفى قرص الشمس عن الأنظار.

شعر سيجي بالراحة سيراً على الطريق، وكان يغنّى أغنيته المفضلة. وفجأة سمع صوت قطة “مياؤ” من جانب الطريق. وهو يحب القطط وكان مشغوفا بها. وقبل أيام، كان لدى سيجي قطة أهلية اسمها “مى”، ولكن مجموعة من الكلاب المحلية قد مزقتها كل ممزق دونما رحمة. وبدأ سيجي يبكي عندما حدثت هذه الحادثة المؤلمة. ولم تدخل قطة في منزله منذ مقتل مي.

“مياؤ” سمع صوت القطة، مرة أخرى من جانب الطريق، وكان الصوت قادمًا من داخل بعض الأعشاب الطويلة. وتوقف سيجي عن الغناء ووصل إلى المكان الذي يأتي منه صوت القطة، ولكنه لم ير أي شبح في ذلك المكان لوجود القطة. وأعتقد سيجي، أن القطة قد هربت من هذا المكان إلى مكان آخر، ثم سمع الصوت مياؤ. فوجئ سيجي. وهو كان يسمع صوت مياؤ مياؤ من اليمين مباشرة أمام أنفه عندما انحنت رأسه في العشب لإلقاء نظرة، ولكنه لم يجد هناك أي قطة.

سحب سيجي نفسه إلى الوراء وأصبح وجهه مصفراً. إذا كان هناك في الوقت الماضي لغز. وكان هناك قطة تموء أمامه، ولم يكن هناك أي قطة يمكن رؤيتها.

“مياؤ” بدأت القطة تموء مرة أخرى. وطرأت على سيجي الرعشة أسفل عموده الفقري. ويمكن أن تكون هذه روح مى؟ وهو كان يعتقد. وكان سيجي قد سمع الكثير من القصص عن أرواح الموتى الذين يعودون لزيارة الأرض، ولكنه لم يسمع الكثير عن أرواح القطط الميتة التي تظهر. وبغض النظر، كان كل ما يفكر به سيجي في تلك الآونة هو أنها روح قطته.

“مي! هل أنتِ هنا؟”  حاول سيجي أن يبدو شجاعًا، ولكن صوته يرتجف.

جاءت صوت “مياء” ، كرد له، من نفس المكان كما كان من قبل.

“آه!” قال سيجي في مفاجأة وجمد في المكان. وكان قد رأى مصباحين عائمين صغيرين يحومان فوق العشب ولم يكن لديه أدنى فكرة عما يحدث هناك. وطفقا يظهران كزوج من الأضواء المتلألئة العائمة بجانب بعضها البعض. وكان الأمر كما لو أن أربعة أو خمسة كرات من قنينة رامون قد تم مزجها معاً وتحولت إلى اللون الأزرق الفاتح مع الصفرة في الوسط، وكان داخل المركز الأصفر نقطة سوداء، تبدو كأنها مقل العيون، ولكن ما هى الحقيقة ؟ ومرة أخرى سمع صوت القطة مياؤ. وجاء الصوت من اليمين من جانب الأضواء العائمة. وكان سيجي مرعوبًا، ولكنه لا يزال غير قادر على لفت أنظاره بعيدًا عن الأضواء العائمة. وابدي سيجي شجاعته، واتخذ خطوة في العشب ووصل للاستيلاء على الكرات العائمة.

“أوواه!” صاح سيجي عندما هزّ يديه بعيدا وقفز إلى الوراء. وقد شعر بإحساس من دغدغة الشعر على راحتيه حينما وضع يديه على الكرات العائمة من الضوء. وكان سيجي مستعدًا للتخلي عنها والهرب من هذا المكان، ولكن حب استطلاعه منعه عن الفرار، وتوقف في مساراته. ولذلك التفت مرة أخرى ومسّ الأجرام السماوية المتوهجة بكلتا يديه.

وشعر مرة أخرى بالإحساس الغريب بالشعر، كأنه شعر رأس حيوان.

الفصل الثاني

اكتشاف غريب

وكان هذا أشبه برأس قطة، ولكني لم أتمكن من رؤيتها على الإطلاق، فكر سيجي، وهو يشعر ببعض الاضطراب. وقد هدأ كثيرا منذ العثور على الكرتين العائمتين اللامعتين. ولمس رأس الحيوان الفروي ولمس أسفله بخجل. وكانت هي صدمة شديدة. وعلم أنها قطة، وكان لها ذيل طويل. حتى خطوط باطن أقدامها كانت تشبه القطة، ولها مخالب. ولكنه لم يتمكن من رؤيتها. فوجئ سيجي، ولكنه استمر في البحث.

كانت الجواهر اللامعة التي تطفو أمام سيجي – بغض النظر عن كيفية النظر إليها – عيون القطط. ومن ثم قام سيجي باكتشاف جديد. وكانت أرجل القط الخفي مقيدة بفرقة مطاطية. وكان الشريط المطاطي في الحشائش الطويلة في مكان لن يكن لسيجي ملاحظته  لو لم يقرر أن يلقي نظرة جيدة. ولم يخف إذ أنه كان يحب الاستطلاع. وأخذ القطة الصغيرة الغريبة من الأرض. ومن المؤكد أنها كانت ثقيلة كأى قطة. وضم القطة بصدره وعاد إلى الطريق نحو المنزل. وكان الحيوان هادئا. وهي لا تموء ولا تحدث ضوضاء. وعززت القطة نفسها في صدر سيجي ويمكن لسيجي أن يشعر بدفء الحيوان. ويبدو كما لو أن القط قد استغرق في النوم.

“ما هذه على الأرض؟ روح القطة؟ إنه أمر غريب للغاية.” ولم يستطع سيجي أن يضع إصبعه على المخلوق غير معروف بالضبط.

وأخيراً وصل سيجي إلى المنزل.

“أنا في المنزل” قال سيجي قبل أن يشق طريقه وبالسرعة هو يصعد الدرج إلى الطابق الثاني. وفكر سيجي أن يخبر والدته عن المخلوق الغريب الذي يشبه القطة الذي أخذه إلى البيت ولكنه لم يكن يعرف كيف سترد عليه أمه بشأن جلب القطة إلى منزله، وهو أمر غريب جدا وليس من الممكن أن ترغب أمه فيه. وستطلب منه فقط أن يرميها إلى الخارج. وهذا ممل للغاية إنهاء شيء تطلب الكثير من الشجاعة لالتقاطه. هذا ما فكر به سيجي  في نفسه وهو يصعد الدرج، ولا يزال يمسك بالمخلوق الغريب ويضمه بصدره.

وجد سيجي نفسه في مأزق عندما وصل إلى أعلى الدرج. لأنه لم يكن يعرف أين يضع الحيوان الغريب. وإذا ترك القطة على حالها، فسوف ينتهي الأمر بالفرار. وهو لا يريد أن تهرب القطة. تساءل عن إمكانية وضعها في الخزانة. لا، لن تواجه القط أية مشكلات في تمزيق الأبواب الورقية المنزلقة. ولن تكون الخزانة آمنة.

“سيجي ماذا تفعل؟ العشاء جاهز، تعال بسرعة.” دعته والدته من الطابق الثاني من أسفل السلالم.

“حسنا، أنا قادم!”

تساءل سيجي عما سيفعله بعد ذلك، وغالبا ما تأتي الأفكار الجيدة لمن يحتاجها. سحب سيجي درج مكتبه وفتحه وأخرج منه خيطاً طويلا.  وهي كانت مصنوعة من ألياف حمراء وزرقاء تلتف حول بعضها البعض. وسحب الخيط وربط الحيوان الغريب بأرجله الخلفية. وبعد ذلك، قام بشدّ الأرجل الأمامية والساقين الخلفيتين ولم يكن المشي بإمكان المخلوق. وإذا لم يستطع المشي، فلن يتمكن من الهرب قطعاً. حسنًا، تم الاعتناء بذلك، فكر سيجي عندما غادر المخلوق من المنضدة ومضى طريقه إلى الدرج.

وجلس سيجي ووالدته على مائدة العشاء وتناولا العشاء كالعادة. وسألت والدته هل حدث أي شيء في الطريق إلى محطة الإذاعة. وأخبرها سيجي أن والده قد أعطاه قلم رصاص كما هو الحال دائماً. وأنهيا وجبتهما واجتاح سيجي عظام السمك المتبقية في كف يده حينما دخلت أمه في المطبخ، ثم وقف في الاتجاه المعاكس وشق طريقه فوق السلالم.

“انتظر لحظة، سيجي، خذ معك تفاحة” قالت له والدته.

“سآتي وآخذها لاحقا” قال سيجي – وكانت والدته تنظف أسنانها – وهو يواصل صعود الدرج.

وسارع إلى مكتبه. وعلى سطح المكتب، رأى الخيط الأحمر والأزرق المألوف، بالاضافة إلى الشريط المطاطي الذي كان يمسك أرجل الحيوان الغريب معاً. وإثنان من تلك العيون الزاحفة.

“مياؤ- أو- أو- أو”

“هل تريد شيئاً من هذا، هاه؟ هيا، كل.” ووضع سيجي العظام أمام اثنين من مقلتي العينين. سرعان ما سمع صوت الطحن. وكُسر العظام ورفعها إلى أعلى الطاولة. ثم بعد فترة طويلة تحولت إلى خط وسافر ببطء إلى أسفل، ومن هنا نزل إلى جانبه.

“هذا أمر رائع” قال سيجي في حالة ذهول، وقد تم كسر العظام في فم الحيوان ثم نزلت إلى أسفل الحنجرة وإلى المعدة، إلى هذا الحد يمكن له أن يراه.

“هاه، بالتأكيد هذه قطة لا يمكنك رؤيتها. قطة غير مرئية وخفية. كيف يمكن وجود الحيوان الخفي مثل هذا.” بدأ سيجي يبذل مزيداً من الاهتمام، ومع ذلك كان يعتبر هذه القطة كنزاً ثميناً، ولذلك وضع القط في حضنه وقام بتربيتها وتمسيدها. ولم يتحرك مقل العيون بينما كان يربي القطة. يبدو أن القط الخفي في حضنته قد انجرف للنوم. والعيون التي تتلألأ بوضوح عندما يلتقط القط يبدو مرهقا في هذه الآونة.

الفصل الثالث

مأساة رهيبة

وكعادته استيقظ سيجي في اليوم التالي في الساعة الخامسة صباحاً. وكان والده لا يزال غارقاً في النوم حسب عادته، فإنه يعود إلى البيت متأخراً من محطة الإذاعة. ولذا، اجتمع سيجي ووالدته حول مائدة الفطور في الصباح. وكانت غرفة الجلوس بجوار المطبخ مباشرة، فلم تحصل على الكثير من الضوء.

“ما الأمر، يا سيجي؟ أنت لا تبدو بخير. “هل تعاني من المرض؟” سألت والدته  فقلق سيجي وجعل يفكر عن الحيلة وماذا يجيب بالضبط،

ثم أجاب قائلاً: لا أعاني من أي مرض.

  • هل انت متأكد …؟
  • نعم كل شىء على مايرام.

“حسنا، ولكن يا سيجي، أنت لا تبدو بخير. وتبدو كأنك تتلاشى، وتبدو عليك شيء من التأني والحيرة” قالت والدته، لكن سيجي لم يحمل كلامها على محمل الجد”.

“أخاطبك يا سيجي. ماذا حدث في عينيك في هذا الصباح؟ تبدو انها ضبابية جدا.”

“أوه!!! ربما كنت على حق. وهذه هي بداية الربيع أيضاً، ربما أحسّ عسى أن أصاب بالمرض” وهكذا انتهى الحوار. وبقيت كثير من الأعمال لأم سيجي وعليها أن تنجزها في هذا الصباح، لذا ذهب سيجي إلى الطابق العلوي.

كانت هناك حشية صغيرة على المكتب. وعندما القى نظره على الحشية، استطاع أن يرى أن هناك فجوة. ويمكنه أيضًا رؤية الشريط المطاطي والحبل الأحمر والأزرق مازالا مرتبطين في مكانه. وكان الحيوان الغريب بالتأكيد لا يزال نائما هناك. ولكن لسبب غريب، لا يمكن رؤية العيون العائمة.

قال سيجي: “يا ترى أين ذهبت تلك العيون”. وصعد إلى الحشية، وتحسس الحيوان الصغير. ولمس بيده ما لا يمكن أن يكون إلا رأس قطة. ولكنه لا يستطيع أن يرى عيونها. وكان يعتقد أن العيون قد اختفت، ولذلك ضغط على رأس القطة بكلتا يديه ولمس عينيها. فهسهست القطة… وبعد من الحسية. ومن الممكن أن أصابعه قد جرحت عيون القطة أو أخافها. شعر سيجي بألم اللدغة في يده. ونظر إلى الأسفل ورأى يده تنزف. فسحبها بعيدا عن القطة. وطرأ عليه الخوف وأصيب بالصداع. وازداد دهشةً عندما نظر إلى أسفل يده، لم يتمكن من رؤيتها بوضوح ، وقد كانت تختفي رويداً رويداً.

“ما الذي يحدث؟” تذكر سيجي كلمات أمه فجأة. “ما هي المشكلة يا سيجي؟ تبدوأنت كأنك تبحث عن شيء.”

وقف سيجي أمام مرآة معلقة بدعامة فى البيت.

“جياه!” سادته الصدمة بعد صدمة. وكان وجهه في المرآة خفيفًا ويتلاشى. وكان زي مدرسته واضحًا وطبيعًا، ولكنه كان شاحبًا ويتلاشى من الرقبة. ويعتقد سيجي أن عينيه قد صارت مشورة وغيم عليه الرؤية. وفرك عينيه ونظر إلى عكسه في المرآة مرة أخرى، ولكنه كان عبثاً. ونظر في المرآة مرات عدَة ، ولكن كان انعكاسه يتلاشى، وعندما أمسك كلتا يديه أمام المرآة ، يصعب عليهما أن تظهران.

“هذا لا يبشر بالخير”، قال سيجي مع رعب شديد حيث كان يتجمع في كرة على الأرض.

لم يكن لدى سيجي أي فكرة عن سبب حدوثه. نفس الأمر الذي حدث للقطة الخفية كان يحدث الآن لسيجي.

“ماذا سأفعل الآن؟ بالتأكيد لن أكون خفياً، مثل تلك القطة. يا فتى، لن أتمكن من الاستمرار إذا حدث ذلك. وسوف يعاملونى الناس كأنني غول.” وعرف سيجي أنه يجب عليه أن يصبر وفكر فى الخروج من هذه المشكلة. وإن بقي هكذا، فسوف يتعامل الناس معه كأنه غول. سيضطر إلى الفرار إلى مكان لا يجده أحد.

بعد التأمل، قرر سيجي أنه سيغادر المنزل.

وضع سيجي بعض الملابس الاحتياطية في سلة، و القطة الخفية تحت الذراع الأخر، تسلل من المنزل دون أن تحسّ به والدته. ولم يكن يريد أمه أن تحزن عليه وترك رسالةً على مكتبه تقول: “أنا ذاهب في رحلة غير متوقعة. ومن فضلك لا تقلقى عليَ، سوف أعود يوماً ما. هذا أمر مؤكد. وعندما أرجع، سيكون لدي بعض القصص المدهشة لأخبرك بها.”

الفصل الرابع

إله المعجزات الصغيرة

وظل سيجي يمشي دون أن يعرف أين يتجه. وارتدى قناع التزلّج وانخفض رأسه ليحميه من الرياح. وكان يلبس هذا النوع من النظارات السوداء التي يلبسها السائقون لحماية أعينهم. وارتدى وشاحا حتى لا يتمكن أحد من رؤية رقبته وكان عنده قفازات تغطي يديه. وينظر الناس إليه نظرة واحدة وهو يتجول في هذه الهيئة ويعتقد الناس أنه يكره البرد قطعاً.

وبينما كان يسير، ظل يتساءل، من بين أمور أخرى، كيف يمكن وجود هذا المخلوق الغريب في هذا العالم؟ ولماذا اختار أن يهاجمه؟ وفي نهاية المطاف توقف سيجي وجلس على مقعد في حديقة صغيرة. وقد أتعبه المشي. وقد أصابه الجوع أيضًا، وفكّ الورق عن الخبز وأكل. وشرب المياه من القارورة. وذهب الظمأ وابتلت العروق إلى حد، وساعد على إخماد عطشه. ولكن كان سيجي لا يزال حزينًا.

“سأقوم بشراء الوجبة التالية لنفسي. وعندي قليل من المال، ولكنه سينتهي في أيام قليلة. ماذا سأفعل بعد ذلك؟” وفكر سيجي في العودة إلى المنزل.

“لا، لا، لا، سوف تحزن والدتي إن عدت في هذه الحالة. ولا يهم كم أحن إلى المنزل، ولا أستطيع العودة. بدأت الدموع الدافئة تتدحرج على خدي سيجي وسالت إلى حضنته.

“أيها الطفل! ماذا تفعل مكتئباً بهذه الطريقة؟ ” استدعى شخص فجأة، ونظر سيجي إليه ودهش. وكان أمامه شاب قائم. وكان يرتدي بذلة رجال الأعمال الأنيقة، وكان شعره الطويل مفترقاً بعناية في الوسط ويبدو عليه علامة المروءة مثل الرجل الشاب النبيل. ومع ذلك، على عكس الملابس الغربية الأنيقة والمرتبة، كان وجهه خشناً وغير متساوٍ مثل ورق من الحديد المجلفن وخداه المربعان الزاويان محفوفتين في البثور. وابتسم الشاب وهو ينظر إلى سيجي.

“الأولاد لا يبكون، أردت أن أبكي عندما صُبّت علىّ المصائب. ولكن كما تعلم، لا يصبر المرأ في هذه الأحوال ولا تستطيع إلا البكاء، وبغض النظر عن مدى شدة المصائب، عليك أن تقضى حياتك بابتسامة على وجهك. ولا يوجد شيء أفضل من التفاؤل. وإذا كنت مرتبكًا، ففكّر في الأمور لمدة يومين أو ثلاثة أيام. تفكر، ومن اللازم أن تتضح لك السبل. وأنت بلا مأوى، أليس كذلك يا فتى؟”. ويوشك سيجي أن يقول “لا” لكنه غادر منزله، وهو بلا مأوى. وهو أومأ برأسه فقط.

“هذا ما حسبته”  قال الشاب المحترم “ولا يمتلك كثيراً من الطعام لتتناوله ؟”، وما استطاع سيجي إلّا أومأ برأسه فقط.

“حسنا، لا بأس، لا تقلق بشأن شيء. تعال معي. سأطعمك حتى الشبع. دعنا نذهب “. ولم يفهم سيجي لماذا هو الطف به إلى هذا الحد. ولكن في الآونة نفسها، عرف سيجي أنه ليس لديه خيار آخر سوى أن يؤمن بهذا السيد. وقرر أن يخبر هذا الرجل عن سرّه الكبير. ولكنه لم يستطع أن يخبره بأنه يتحول إلي أنسان خفي. وتحدثا فقط عن القطة. وحيثما أطلعه على أمر القطة لمعت عيناه بالبهجة والسرو. وكان اسمه روكو.

” حقا؟ هذا يبدو رائعا. وستتقلب ثرياً وتنقلب في الأموال والثروات. لا … حقا أنت ستكون غنياً. اترك كل شيء لي وعلىّ أن أقوم بهذه الأعمال وأجعلك ثرياً، وبالطبع سنقوم بتقسيم الأرباح 50/50،” وجعل البشر يتلألأ في وجوه روكو وينبعث السرور من عيونه.

“على كل حال، ألا تسمح لي أن ألقى نظرة على هذا الشيء الثمين؟” وسمح سيجي لـ “روكو” أن يشعر بقطعة القماش التي تلفّ القطة.

“حسنا،  بالطبع، بالتأكيد فيها قطة.”

“اذهب وألق نظرة خاطفة داخل الحقيبة” قال سيجي وهو يخرج قطعة القماش ويسمح لـ روكو بالنظر إلى داخلها.

“رائع، لا يوجد شيء هناك! وعندما تلمسها من الخارج من خلال القماش، يمكنك أن تشعر بقطة بالتأكيد …”  وكان روكو هادئاّ ولكنه تجسس أن يلمسها، ولبس روكو القفاز وأدخل يديه داخل القماش.

“المال المقدس! أستطيع حقا أن أشعر القط الآن. رائع، إنها حقا قطة خفية. الصفقة الحقيقية. رائع، أيها الصبي، أنت تحمل شجرة النقود التي ستجعلك غنيا. صحيح، سنقوم بانشاء مقعد، سناخذ عشرة ين (النقود اليابانية) من كل شخص، وسنرحب بهم، تعالوا، تفضلوا، ويمكن لنا أن نجمع ألف شخص يوميًا لرؤية القطة. واضرب … عشرة … في ألف… عشرة آلاف …عشرين ألفاً ين!” صُدم سيجي. ولابد أن يكون هذا الرجل ماهراً في الأرقام والرياضيات.

“وبالرغم من أن عشرين ألف ين ليس بكثير، سنرفع سعر الدخول إلى 20 يناً لكل شخص. وذلك سيثير المقامرين. إذن سنسميها بجائزة مائة ألف ين. “إذا وجدت هذه القطة الخفية عبارة عن عملية احتيال، فسنمنحك 100 ألف ين” وهذا ما سنكتبه على اللافتة. ثم يريد الجميع أن يأتوا ويروا، أولئك الذين يريدون أن يروا شيئًا مدهشًا والآخرين الذين يرغبون في الحصول على هذا الين. وعشرون ين كرسم الدخول رخيصة، حقا! نحتاج أولاً أن نتأكد أن يزورها عشرون ألف شخص كل يوم. وهذا يتحقق إن شاء الله، ثم نحصل على … عشرين ين … عشرين ألف شخص … هذا هو 4 ملايين ين. أوه! هذا جيد جدًا ليكون صحيحًا. “

الفصل الخامس

الجاذبية الكبرى والجائزة الكبرى

وتم إنشاء الخيمة في جزء من المدينة المعروفة باسم منطقة الترفيه، حيث كان لروكو نفوذ كبير.

“من عجائب الدنيا الحديثة، قطة خفية!”

“لا يمكنك التحدث عن عجائب الدنيا حتى تعرف هذه القطة الخفية!”

“وحسب الخبير سي إيج بوروبوندوكين، تظهر القطة الخفية مرة واحدة على مرور كل عشرة آلاف سنة! “

“لا الحيل! إنها حقيقة. وإن تجد أنها مزورة، نعوضك مائة ألف ين. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام من قبل روكومورو موراكوشي، نائب الرئيس لجمعية أبحاث وترويج القطط الخفية.” فكّر روكو في ذلك اللقب الرائع وعلق اللافتة الضخمة على الباب. انه كان محقا. وجميع الربائن جعلوا يدفعون20 ين لكل لرؤية واستمرت الزبائن لزيارة هذه القطة الخفية.

” الآن كانت الخيمة مكتظة بالزبائن. إلق النظرة على صورة هذه القطة الخفية قد تم القبض عليها في الغابة. وهذه هي صورة حقيقية لقطة خفية. وإن تفقد الفرصة الآن، فلن تستطيع التحدث عنها أبداً. تعال يا سيدي، تفضلوا أيها السادة! آسف جداً، الخيمة مكتظة بالسيدات والسادة في هذه الآونة.” ويبدو روكو مبهرجاً جدا عندما خاطب الجمع الحاشد أمام الخيمة.

وكان سيجي داخل الخيمة، وكان في زي مقدم العرض. وتم إخفاء كل من وجهه ويديه وقدميه، وقف إلى جانب الصندوق الصغير المزين بطريقة جميلة مثل المعبد وكانت القطة الخفية في هذا الصندوق. وأدخل الزبائن أيديهم من حفرة في الصندوق ولمسوا القطة الخفية، واحدا تلو الآخر. وتبدو القطة مرهقة، وبدأت القطة تهيج وتقفز حول الصندوق. وبدأت تموء، وتهسهس وتزمجر.

وبهذا حصل القط أكثر شعبية في عيون الزبائن. وشق بعض الزبائن الخط لإلقاء نظرة على الصندوق. وكانوا يسمعون صوت القطة، ولكنهم لم يستطيعوا رؤيتها. وهذا جعلهم أكثر تعجباً. وادعى بعض الزبائن السحر الأسود كما شعروا حول الزوايا داخل الصندوق. وهؤلاء الناس هم الذين وضعوا أيديهم في الصندوق وعضّت القطة أصابعهم، وأصبحوا خائفين وأخرجوا أيديهم من الصندوق. واكتسب الإثنان 450،000 ين في اليوم الأول. وجعل روكو يفكر عن النقود الهائلة.

“حسنا، يمكن أن يأخذ كل منا عشرة آلاف ين. وتبقي لنا 430،000 ين ،سنضعها في البنك. لأنه من الممكن أن يسرق أحد في النهاية إن يجد هذه الأموال الهائلة ملقاة أمامه. وعندما نجمع حوالي عشرة ملايين ين، سنقوم بأنشاء مسرحنا الرائع، مع أعمال السحر والسيرك وقطة خفية. وهذه الأشياء الثلاثة سيجذب السياحين، وكل من يأتي هنا سيقوم بدفع الرسوم.” وكان روكو متحمسا جدا. وفي تلك الليلة، ذهب سيجي إلى منزل في عمق المدينة وطلب وجبة لذيذة ومتكاملة، وأحضر ببعض الكحول، وأقام لنفسه حفلة كبيرة.

ما إن شرب روكو بعض الكحول حتى أصبحت كلماته خشنة.

“لا، لا، لا، أيها طفل. لماذا أنت لا تزال تلبس هذه القبعة؟ لا يمكنني أن أخذك بجدية إذا كنت لا تأخذني بجدية. تفضل، اخلع هذه القبعة. لماذا تفكر؟ ماذا، مع الرئيس روكو – لا، أعني، روكو، أنا، الكبير، الجالس أمامك مباشرة؟ ” وحاولت السيدات اللواتي يجلسن على الطاولة منعه، ولكنه قفز إلى سيجي ونزع قبعته.

“واهااا”

“هياااا”

وفجأة ساد الهرج والمرج. وخمدت سكران روكو في لحظة. وصرخت من حوله من النساء وهربن من المكان. لماذا؟ لأنه لم يكن هناك شيء تحت قبعة سيجي. وصرخ سيجي في حالة من الذعر وصار بدون العنق. وكان روكو مقذوفا بقلبه بالرعب والخوف  وكانت شفتاه ترتجفان وهو لا يقدر على قول كلمة. وأخرج روكو وسيجي أنفسهما من هذه المكان بعد ما هدأ الجميع. ولجأ إلى إنفاق 50،000 ين في الرشوة.

بقي الإثنان في فندق. وجلس روكو مع سيجي على السرير وتحدث معه قليلاً. وأخبر سيجي أن إنسانًا مخفيًا يجذب إليه الناس أكثر من القطة المخفية، ويجب على سيجي أن يضع نفسه موضع جذب.

“لا، لا أريد ذلك.”

“أنت غبي في هذا الأمر. ولن تجد أبسط طريقة من هذه لكسب بعض الأموال. وسوف نكسب على الأقل مائة مليون ين. ولا نتأمل كثيرا ولا نواجه المشاكل الكثيرة. “تفضل، كن رجلا مخفيا.” قال روكو وهو يحاول اقناع الصبي. ولكن ما قبله سيجي. وباتا الليل في الفندق دون كلمة أخرى. وعندما طلعت الشمس، نهض سيجي من فراشه ،واصتدم بالسرير المجاور له ودهش من هذا الأمر.

ولم يكن لديه أي فكرة كيف حدث هذا. هل كان هناك  أي شخص؟ من سيكون في ظنك؟ روكو، وكانت تتلاشى يداه ورجلاه، ولكنّ تلمع عيناه الكبيرتان كانتا ساطعة. ويبدو كأنه تحول روكو إلى انسان مخفي أيضا.

وساد الجنون في المدينة كلها شرقاً وغرباً في ذلك اليوم. حول هذه القضية المدهشة وما جرى فيها من اختفاء الناس وتحولهم إلى إنسان مستور.

وبعد التفتيش القليل، تبين أن الأشخاص الذين كانوا يختفون هم الذين زاروا “القطة الخفية” في اليوم السابق. ولمسوها بأيديهم، واستغرق الأمر حوالي خمسة أيام لكي يتحولوا إلى إنسان خفي تمامًا. وغرقت المدينة في الخوف والدهشة. ولكن بحلول اليوم السابع، تلاشى الجنون فجأة. وكان ذلك بظهور الباحث، الذي خلق أول قطة خفية، البروفيسور هانيغي كما ادعى لنفسه.

وكان بحث الأستاذ حول جعل الجسم مستوراً عن طريق جعله يحرز الانعكاس ومؤشر الانكسار كالهواء. وكان البروفيسور قد اكتشف نوعا من الفطريات التي عملت بشكل جيد، وقام بزراعتها في مختبره، وفي النهاية طلي بها بعض الحشرات، خنزير غيني وقطة. وكانت القطة التي جرب عليها الفطري التي تم زرعها  ولكنها تحررت من المقود، وهربت من نافذة المختبر وسقطت على جانب المنحدر، وهي القطة التي وجدها سيجي. وعندما لمسها سيجي، تحول إلى إنسان مخفي. وحدث نفس الشئ لجميع الناس الذين لمسوا القط عندما ذهبوا لرؤيتها في منطقة الجذب. وكان الأستاذ قد أعدّ دواءً مضادًا للفطريات المؤدية إلى الاختفاء، فتمكن كل شخص أن يظهر مرة أخرى من خلال علاجه.

كان سيجي سعيدًا أيضًا لأنه تمكن من العودة إلى المنزل. وتغيرت حالة قلب روكو وقام بتقسيم أرباحه مع سيجي 50/50. وكانت والدة سيجي سعيدة للغاية بعودة ابنها إلى المنزل. والمشكلة الوحيدة هي بحث ودراسة الأستاذ هينيغي، حيث أن الأستاذ لا يزال يفكر ماذا سيفعل مع اكتشافه الجديد.

             تمت

       *****

One thought on “القطّة الخفيّة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll